خاص “المدى” – رفع الضرائب في اقتصاد متراجع… طريق مختصر للإيرادات أم عبء إضافي على النمو؟

الإثنين ٢٧ تموز ٢٠٢٦

خاص “المدى” – رفع الضرائب في اقتصاد متراجع… طريق مختصر للإيرادات أم عبء إضافي على النمو؟

في وقت تبحث فيه الحكومة عن موارد إضافية لتمويل النفقات العامة، عاد خيار رفع الـ TVA والرسوم الى واجهة النقاش الاقتصادي، باعتباره أحد أبرز الخيارات المطروحة لتعزيز إيرادات الخزينة. إلا أن هذا التوجه يثير مخاوف واسعة بشأن انعكاساته على الأسعار، والقدرة الشرائية، والقطاع الإنتاجي، في ظل اقتصاد لا يزال يعاني من تباطؤ النمو وتداعيات الأزمات المتراكمة.
وبين من يعتبر رفع الضريبة ضرورة مالية تفرضها الظروف، ومن يحذّر من أنه قد يؤدّي إلى مزيد من الانكماش الاقتصادي وتراجع الاستهلاك والاستثمار، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى جدوى هذا الخيار، وما إذا كانت هناك بدائل أكثر فاعلية وأقل كلفة لزيادة إيرادات الدولة.
الخبير الاقتصادي باتريك مارديني حذّر من أن زيادة الضرائب لن تؤدي فقط إلى موجة غلاء جديدة، بل ستكون لها انعكاسات سلبية واسعة على الاقتصاد. وأوضح أنها لن تثقل كاهل المواطنين فحسب، ولا سيما في حال فرض رسوم جديدة، بل ستزيد أيضًا الأعباء على الشركات، خصوصًا تلك التي تلتزم بالتصريح عن ضرائبها وتسديدها.
وأكد أن ذلك سيضعف القدرة التنافسية للشركات الملتزمة مقارنة بتلك التي تتهرّب من الضرائب، وربّما من الرسوم الجمركية أيضًا، معتبرًا أن أي زيادة في الضرائب أو الرسوم المفروضة على القطاع الشرعي ستؤدّي إلى تقلّص حجمه، وتشجيع التهرّب الضريبي والجمركي، وقد تدفع عددًا من الشركات إلى الإقفال لعجزها عن منافسة القطاع غير الشرعي، ما يفضي إلى نتائج عكسية بدلًا من تحقيق الأهداف المرجوة.
ورأى مارديني أن رفع الضرائب سيُضعف القدرة التنافسية للبنان بصورة عامة، إذ يعتمد الاقتصاد اللبناني بدرجة كبيرة على القطاع السياحي، والسائح الذي يزور لبنان ينفق على الفنادق والمطاعم وسائر الخدمات. وأي زيادة في الضرائب سترفع كلفة السياحة، ما سيدفع شريحة من السيّاح إلى تفضيل وجهات منافسة، مثل تركيا واليونان وقبرص والأردن ومصر، حيث الكلفة أقلّ، الأمر الذي سينعكس سلبًا على القطاع السياحي والاقتصاد اللبناني ككلّ.
واعتبر مارديني أن رفع الضرائب، بصورة عامة، لا يُعدّ خيارًا مناسبًا في ظل اقتصاد يعاني من الركود، إذ تلجأ الدول عادةً إلى زيادة الضرائب عندما يكون اقتصادها في حالة نمو وقادرًا على استيعاب الأعباء الإضافية. أما لبنان، فيعيش منذ سنوات حالة نمو سلبي، إلى جانب تداعيات الأزمات والحروب والانكماش الاقتصادي، ما يجعل فرض ضرائب ورسوم جديدة على اقتصاد يتقلّص باستمرار غير قادر على تحقيق النتائج المرجوة.
وأوضح أن عددًا من الشركات أقفل أبوابه بالفعل، فيما لا يزال بعضها الآخر يكافح من أجل الاستمرار، وبالتالي فإنّ فرض أعباء ضريبية إضافية لن يؤدّي إلا إلى إضعاف قدرتها على المنافسة، وتقليص فرص صمودها، ما ينعكس سلبًا على تنافسية الاقتصاد اللبناني ككل.
ورأى مارديني أنّ هذا التوجه الاقتصادي ليس في محله، سواء تمثّل في فرض رسوم جديدة أو في زيادة الضريبة على القيمة المضافة، معتبرًا أن كلا الخيارين سينعكسان سلبًا على تنافسية الاقتصاد اللبناني، ويزيدان الضغوط على المواطنين والقطاع المنتج، بدلًا من تحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز إيرادات الدولة بصورة مستدامة.
وهل بالإمكان اعتماد بدائل أقل كلفة على المواطن، أكّد مارديني أن خيارات أخرى أكثر فعالية وأقل كلفة كانت متاحة، معتبرًا أن الحل الأفضل يتمثّل في أن تبادر الحكومة إلى تنفيذ إعادة هيكلة حقيقية للقطاع العام .فهذا القطاع أصبح يشكّل عبئًا كبيرًا على الدولة والمواطنين، إذ يُطلب من المواطنين تمويل زيادات في الرواتب والأجور، في وقت يضمّ هذا القطاع موظفين يؤدّون عملهم بكفاءة ويستحقّون تحسين أوضاعهم المعيشية، مقابل وجود عدد كبير من الموظفين الذين دخلوا إلى الإدارة العامة عبر المحسوبيات والوساطات والتنفيعات السياسية والطائفية، رغم تدنّي إنتاجيتهم، إنْ كانوا يحضرون إلى أعمالهم أساسًا.
وشدّد على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة هيكلة القطاع العام على أسس الكفاءة والإنتاجية، من خلال الاستغناء عن الموظفين غير المنتجين، وتوجيه الوفر المالي الناتج عن ذلك إلى تحسين رواتب الموظفين الأكفّاء الذين يؤدّون مهامهم ويستحقّون زيادة في أجورهم.
وأضاف أن هذا النهج من شأنه أن يساهم في إصلاح القطاع العام، والحدّ من المحسوبيات والوساطات، وتحفيز الإنتاجية من خلال مكافأة الموظفين الأكفّاء، بدلًا من منح الزيادات للجميع بالتساوي، بمعزل عن مستوى الأداء والإنتاجية.
وقال إن منح الزيادات للجميع بالتساوي يوجّه رسالة سلبية، إذ يكافئ التقاعس بدلًا من الإنتاجية، ويُحبط الموظفين الأكفّاء عندما يرون أن غير المنتجين يحصلون على الزيادات نفسها، رغم الفارق الكبير في الأداء والإنتاجية.
وأكّد أن المشكلة لا تكمن في قيمة الزيادات بحدّ ذاتها، بل في آلية توزيعها وطريقة تمويلها، والصيغة المطروحة حاليًا لا تعالج جوهر المشكلة ولا تمثّل إصلاحًا حقيقيًا. المطلوب هو معالجة الاختلالات البنيوية في القطاع العام قبل اللجوء إلى تحميل المواطنين أعباء ضريبية إضافية.
ورأى مارديني أنّ لبنان يحتاج أولًا إلى تحديد السياسة الضريبية التي يريد انتهاجها، فتحويل النقاش كل عام إلى البحث عن ضرائب ورسوم جديدة لزيادة الإيرادات يعكس غياب رؤية اقتصادية واضحة، ولا يشكّل مسارًا مستدامًا على المدى الطويل، والوسيلة الأكثر فاعلية لزيادة الإيرادات الضريبية تكمن في تحقيق النمو الاقتصادي، فالإيرادات المحصّلة من اقتصاد يبلغ حجمه 20 مليار دولار تختلف بطبيعة الحال عن تلك التي تُجبى بالنسبة الضريبية نفسها من اقتصاد يبلغ حجمه 50 مليار دولار.
وأضاف أن اتساع حجم الاقتصاد يؤدّي تلقائيًا إلى ارتفاع الإيرادات الضريبية، من دون الحاجة إلى رفع معدّلات الضرائب أو فرض أعباء جديدة على المواطنين والقطاع المنتج، معتبرًا أن النمو هو المسار الأكثر استدامة لتعزيز موارد الدولة.
وشدّد على أن السياسة الضريبية يجب أن تكون أداة لتحفيز النمو الاقتصادي وتوسيع النشاط الإنتاجي، لا عاملًا يعرقل الاستثمار ويحدّ من قدرة الاقتصاد على التوسع، معتبرًا أن الهدف الأساسي منها يجب أن يكون دعم النمو الذي يؤدي بدوره إلى زيادة الإيرادات بصورة مستدامة.
وانطلاقًا من هذا الواقع، أوضح مارديني أن بعض التوجهات الاقتصادية تدعو إلى إعطاء دور أكبر للضرائب غير المباشرة مقارنة بالضرائب المباشرة، باعتبار أن ضرائب الدخل والأرباح قد تؤثر في حوافز الأفراد والشركات على العمل والاستثمار.
وأوضح أن ارتفاع الضريبة على الدخل يجعل الفرد يشعر بأن جزءًا أكبر من ثمرة عمله يُقتطع، في حين أن زيادة الضريبة على أرباح الشركات تضعف حوافز الاستثمار، وقد تدفع بعض الشركات إلى نقل أعمالها إلى دول تتمتع ببيئة ضريبية أكثر تنافسية.
الضرائب غير المباشرة، رغم تأثيرها في الاستهلاك والقدرة الشرائية، يبقى أثرها على قرارات العمل والاستثمار، برأي مارديني، أقل حدّة من أثر الضرائب المباشرة، ولذلك تعتمدها العديد من الدول كخيار أقل ضررًا بالنمو الاقتصادي.
لكنه شدّد على أنه في حال قرّرت الدولة اللبنانية اعتماد هذا التوجه، فمن الضروري أن يأتي ضمن إصلاح ضريبي متكامل، بحيث يترافق رفع الضرائب غير المباشرة مع خفض الضرائب المباشرة. وأكد أنه لا يمكن تحميل المواطن أعباء ضريبية مرتفعة على دخله، وفرض ضرائب مرتفعة على أرباح الشركات، ثم زيادة الضرائب على الاستهلاك أو على القيمة المضافة في الوقت نفسه.
واعتبر أنّ المنطق الضريبي السليم يقوم على تحقيق التوازن لا على مضاعفة الأعباء، ومن غير المقبول أن تقتطع الدولة جزءًا كبيرًا من دخل المواطن عند تقاضيه راتبه، ثم تعود لاقتطاع جزء إضافي من هذا الدخل عند إنفاقه على الاستهلاك.
وختم مارديني بالقول: إذا اختارت الدولة زيادة الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، فعليها في المقابل تخفيف العبء الضريبي على الدخل والأرباح، وإلا ستتحوّل المنظومة الضريبية عبئًا إضافيًا على المواطنين، بما يضرّ بالنمو الاقتصادي والإنتاجية ويضعف قدرة الاقتصاد اللبناني على المنافسة.

شارك الخبر

مباشر مباشر

01:58 pm

انتعاش ملاحي في قناة السويس.. عبور 305 سفن وارتفاع الحمولة بنسبة 35 بالمئة

01:54 pm

سر مخبأ في نجوم “فان جوخ”.. اكتشاف مذهل بعد 137 عاماً

01:52 pm

تحركات غامضة في واشنطن.. إلغاء مفاجئ لفعاليات ترامب وفانس

01:42 pm

إطلاق المرحلة الأولى من رحلات النقل المشترك من حلبا إلى طرابلس

01:35 pm

عبد اللهي: حماية البنية التحتية والأصول الحيوية والأمن السيبراني واستمرارية العمليات في أوقات الحرب تلعب دوراً لا غنى عنه

01:35 pm

كرامي تواصل جولتها في طرابلس وتلتقي مديري المدارس الرسمية

01:31 pm

اليابان.. خروج قطار عن القضبان بعد اصطدامه بدب! (فيديو)

01:25 pm

4.9 مليار دولار قيمة التبادل التجاري.. تقرير يكشف حجم التعاون المصري الروسي

01:13 pm

المجلس الشرعي الإسلامي: المرحلة الدقيقة تفرض على الجميع الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية

01:07 pm

رجي يواصل لقاءاته على هامش “حوار المنامة”: دعم الجيش اللبناني وترتيبات ما بعد “اليونيفيل” في صلب المباحثات

01:04 pm

العدوان الإسرائيلي مستمرّ على الخليل لليوم التاسع وتصعيد الاقتحامات في الضفة

01:02 pm

وزيرة التربية من طرابلس: التضامن الحكومي مستمر

12:58 pm

طقس خريفي مستقر وارتفاع إضافي بدرجات الحرارة

12:51 pm

تحليق مسير على علو منخفض فوق الزهراني

12:46 pm

تدابير سير في الجميزة وجونية وصائب سلام (كورنيش المزرعة).. والسبب؟

12:42 pm

وزير المال استقبل وفداً من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.. ماذا تناول البحث؟

12:32 pm

الخامنئي: يجب أن يُواجَه كل مستوى من مستويات التهديد بردّ فوري وفاعل ومن دون أي قيود جغرافية

12:26 pm

الحوثيون يرحبون بالوساطة المصرية وصولًا لـ”سلام استراتيجي” مع السعودية

12:20 pm

“الطاقة” لمطار بيروت: سدّدوا المستحقات لتستمر الكهرباء!

12:15 pm

الدفاع الروسية: تحييد 1220 جندياً أوكرانياً وإسقاط 6 صواريخ بعيدة المدى خلال يوم

12:11 pm

أوزجان دينيز يعلن اعتزاله الدراما التلفزيونية

12:00 pm

نشر التوجيهات الهامة لقائد الثورة الايرانية في لقاء كبار قادة القوات المسلحة في غضون دقائق من الآن

11:50 am

مدفيديف: ما يجري في بولندا “انقلاب دستوري”

11:47 am

أصغر فارق نقاط في التاريخ.. “فرانس فوتبول” تكشف كيف انتزع كين الكرة الذهبية من قبضة مبابي

11:40 am

غارات وقصف وتوغل واستحداث طريق في الجنوب

11:38 am

وزارة الصحة في غزة: الحصيلة التراكمية لعدد الشهداء 74,594 شهيداً منذ بداية العدوان الاسرائيلي

11:37 am

تصادم على الطريق الأوسطي في مصر.. 34 ضحية بين قتيل ومصاب

11:35 am

“الفيفا” يتوقع جمع 5 مليارات دولار من تذاكر “المونديال”

11:33 am

غارة من طيران العدو الاسرائيلي تستهدف بلدة حداثا ومدفعية العدو تستهدف بلدة المنصوري

11:32 am

الحرس الثوري الايراني يفكك خلية مرتبطة بأجهزة استخبارات اجنبية غرب البلاد

11:30 am

“تسنيم”: طائرة مسيرة اميركية تهاجم قاربي صيد ايرانيين في مضيق هرمز

11:28 am

‏الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في منطقة نجران⁩ للتحذير من خطر

11:27 am

قوات العدو الإسرائيلي تنذر بهدم منشآت صناعية وتجارية عند المدخل الشمالي الغربي للخليل (الجزيرة)

11:26 am

فوز كاسح.. أشرف حكيمي يخطف الأضواء بثلاثية تاريخية

11:25 am

ميلان يربط نجمه بوليسيتش بعقد طويل الأمد

11:20 am

مقتل شخص وإصابة 6 في إطلاق نار بمركز تجاري في كاليفورنيا

11:17 am

صاروخ موجه من مسيرة على دوار كفرتبنيت – النبطية

11:15 am

غارة ثانية بين النبطية الفوقا وكفرتبنيت وطيران مسير وحربي فوق الجنوب (فيديو)

11:13 am

بالفيديو: مسيّرة إسرائيلية تحلّق في أجواء بلدة مجدل سلم

11:11 am

الطيران الحربي المعادي يلقي بالونات حرارية في اجواء الجنوب