بعد وقف إطلاق النار، اعتبر العدو أن التسوية الأميركية – الإيرانية حالت دون تحقيق هدفه في تلال «علي الطاهر»، لكنه لم يتخلَّ عن خططه للهجوم على المنطقة. فواصل، على مدى الفترة اللاحقة، تنفيذ الغارات والقصف المدفعي، بالتوازي مع عمليات استطلاع تنفذها وحدات خاصة من ألوية النخبة، ذات طابع أمني، بهدف معرفة طبيعة الأرض بصورة دقيقة، وزرع أجهزة تنصّت وكاميرات مراقبة. ويأتي ذلك في سياق ما يعتبره الاحتلال مهمته الحالية: محاصرة التلال التي يعتقد أنها تضم منشآت خاصة للمقاومة، تمهيداً لتنفيذ عملية أمنية – عسكرية تتيح له الوصول إلى هذه المواقع وإعلان السيطرة عليها، من دون الاضطرار إلى خوض معركة واسعة قد تترك تداعيات تتجاوز الساحة اللبنانية.
عملياً، كان واضحاً للمقاومة أن العدو لن يتوقف عن مساعيه العسكرية والأمنية لتحقيق هذا الهدف. لذلك عملت، في المقابل، على خلق معادلة موضعية تقوم على أنه كلّما حاول الاحتلال الاقتراب من نقاط محددة، تتولى المقاومة توجيه ضربات مدروسة بعناية، تستند إلى معلومات ميدانية دقيقة تتيح اختيار السلاح والتوقيت المناسبيْن، سواء عبر العبوات الناسفة أو المُحلِّقات الانتحارية. وقد تكرر هذا الأمر في أكثر من منطقة، فيما كان العدو يعترف، بين الحين والآخر، بوقوع إصابات في صفوف جنوده، مكتفياً بالقول إنها ناجمة عن «نشاط عملياتي»، من دون تقديم تفاصيل دقيقة عن طبيعة ما جرى.
وبحسب مصادر صحيفة “الاخبار” المواكبة للاتصالات اللبنانية – الأميركية، فإن إسرائيل «مضطرة إلى عدم تبنّي أي أعمال حربية يمكن وضعها في خانة خرق اتفاق وقف إطلاق النار». وهي قاعدة دفعت إسرائيل ثمنها أيضاً. فعندما انفجرت عبوة ناسفة في أحد منازل مجدل زون، ما أدّى إلى مقتل وإصابة 11 ضابطاً وجندياً من جيش الاحتلال، حاولت إسرائيل اعتبار الحادث خرقاً يبرر تنفيذ عمليات واسعة. إلا أن الجانب الأميركي – وليس تعاطفاً مع أي طرف – أبلغ قيادة جيش الاحتلال بأن ما حصل لا يشكّل خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، ولا سيما أن إسرائيل لم تقدّم أدلة على تنفيذ المقاومة عملية عسكرية صريحة، علماً أن المقاومة توقّفت، في المقابل، عن نشر أي بيانات تتعلق بنشاطها العسكري في المنطقة المحتلة.
أمّا ما حصل قبل أيام في «علي الطاهر»، فبدأ بتعرّض قوة هندسية تابعة لأحد ألوية النخبة في جيش الاحتلال لكمين للمقاومة في المنطقة، ما أدّى إلى إصابة عدد من أفرادها بجروح خطيرة. لكنّ العدو لجأ هذه المرة إلى ما اعتبره «الرد المشروع»، فنفّذ عمليتي اغتيال استهدفتا كوادر في المقاومة، مستخدماً الأسلوب نفسه القائم على توجيه ضربة نارية كثيفة، بمعزل عن حجم الدمار أو عدد الإصابات التي قد تنتج منها. وأدّت الضربتان إلى سقوط 11 شهيداً في أنصار ودير الزهراني.
في هذه العملية، تصرّف العدو على أساس أنه يبعث إلى المقاومة برسالة مفادها أنه يشعر بأنها في صدد تنفيذ برنامج من العمليات الموضعية ضد قواته في المنطقة المحتلة، وأنه يعتبر ذلك خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وأنه سيرد على هذا النحو كلّما تكرّر الأمر. لكن، بعيداً عن النقاش المهني حول حقيقة ما يجري في منطقة «علي الطاهر»، يبدو أن الاحتلال سيواصل سعيه إلى السيطرة على المنطقة عبر عملية أمنية، لا عبر هجوم عسكري صاخب. والسبب أن لديه قناعة بأن إيران قد تتعامل مع أي عمل عسكري واسع بوصفه خرقاً يستوجب رداً، بما قد يهدّد المسار السياسي الذي لا تزال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفضّله، ولو إلى حين.