خاص “المدى”
تفتح «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان الباب أمام مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية في المنطقة، في ظل مساعٍ لتعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي، وبناء منظومة أمنية تقودها دول المنطقة بدرجة أكبر من الاستقلالية عن القوى الخارجية.
ومع حديث أنقرة عن إمكانية توسيع الاتفاقية وانضمام دول أخرى إليها، تبرز تساؤلات حول أهداف تركيا من هذا الإطار الجديد، ومدى قدرته على التحوّل إلى منظومة أمنية إقليمية أوسع.
ولا تقتصر تداعيات هذا التقارب على البعد الأمني، إذ يمكن أن تمتدّ إلى ملفات إقليمية أساسية، وفي مقدمتها سوريا، حيث يتقاطع الموقفان التركي والسعودي حول دعم الاستقرار وإعادة الإعمار وتعزيز مؤسسات الدولة، وصولًا إلى لبنان الذي يبقى حاضرًا في الحسابات الاستراتيجية لتركيا والسعودية، في ظل الحاجة إلى الحد من الاستقطاب وتعزيز مؤسسات الدولة والجيش اللبناني والحفاظ على استقرار شرق المتوسط.
فهل نحن أمام بداية إعادة رسم للخريطة الأمنية في المنطقة؟ وما الذي تريده تركيا من توسيع هذه الشراكة؟ وكيف يمكن أن تنعكس على سوريا ولبنان؟
“المدى” سألت المحلل السياسي التركي جواد غوك الموجود في اسطنبول إلى أي مدى يمكن أن تتحول هذه الاتفاقية فعليًا إلى منظومة دفاع جماعي، وما إذا كانت لدى أنقرة رؤية واضحة لتحويلها من إطار للتنسيق السياسي والأمني إلى تحالف دفاعي مؤسسي قادر على تحقيق الردع والتدخل فأجاب بأنه لا يتوقع أن تتحول الاتفاقية إلى ما يمكن وصفه بـ«الناتو الإسلامي»، مشيرًا إلى أن الوصول إلى مستوى مماثل لحلف شمال الأطلسي يحتاج إلى وقت، ولا يمكن القول في الوقت الراهن إن اتفاقية مكة تمثل تحالفًا عسكريًا متقدمًا ومتكاملًا على غرار الحلف.
وأوضح أن النقطة المهمة تتمثل في أن الاتفاقية ستتضمن أمانة عامة مقرّها الرياض، ما يعني أنها ليست مجرد بيان سياسي أو تفاهم عابر، وإنما هناك توجه لإنشاء إطار مؤسسي متكامل ودائم ومتين بين الدول الثلاث.
وهل نحن أمام إعادة تشكيل للخريطة الأمنية في الشرق الأوسط، تسعى فيها تركيا والسعودية إلى تعزيز استقلاليتهما الأمنية عن واشنطن، أم أن أنقرة لا تزال بحاجة إلى المظلة الأميركية؟ أجاب غوك بأن ما جرى في المنطقة يعكس تراجعًا في مستوى الثقة بالمظلة الأمنية الأميركية، ورغبة متزايدة لدى دول المنطقة في عدم الاعتماد بشكل كامل على واشنطن في ما يتعلق بأمنها. وأوضح أن هذا الواقع يدفع نحو بناء اتفاقيات وشراكات جديدة، وتوسيع المنظومة الأمنية والاستراتيجية في المنطقة، ولكن من دون أن يعني ذلك قطع العلاقات مع الولايات المتحدة.
وأضاف أن الجانب الأميركي نفسه يبدو راغبًا في تخفيف جزء من العبء الأمني الملقى على عاتقه، ما يعني أن هذه الترتيبات الجديدة قد تساهم في تقاسم المسؤولية الأمنية بين دول المنطقة والولايات المتحدة، بدلًا من أن تبقى واشنطن الطرف الرئيسي في توفير الأمن الإقليمي.
وعن أهداف تركيا من توسيع اتفاقية مكة، وهل تسعى إلى بناء منظومة أمن إقليمية تقودها دول المنطقة أم إلى تأسيس محور سياسي وعسكري جديد؟ أوضح غوك أن أنقرة تسعى من خلال هذا التوجه إلى تعزيز دورها ونفوذها في المنطقة ضمن إطار مشروع وشرعي، بما يتيح لدولها إدارة أزماتها وشؤونها الأمنية من دون الاعتماد على التدخلات الأجنبية.
ولفت الى أن تركيا ترى أن وجود قوى إقليمية كبرى قادرة على إدارة الأزمات والتعامل مع التحديات التي تواجه المنطقة سيكون أفضل من ترك المجال أمام القوى الخارجية للتدخل فيها. وفي الوقت نفسه، تحرص أنقرة على تجنب الاستقطاب، وتسعى إلى أن تكون طرفًا فاعلًا في الترتيبات والتطورات التي تشهدها المنطقة، بما يعزز دورها وتأثيرها في صياغة الحلول والتعامل مع الأزمات الإقليمية.
هل يمكن أن تشكل اتفاقية مكة بوابة لتنسيق تركي–سعودي أوسع في سوريا، وما دور الدول الثلاث في إعادة بناء الدولة السورية وتعزيز أمنها؟ توقع غوك بأن تكون سوريا من أبرز ساحات اختبار اتفاقية مكة، وقد تشكل بوابة لتوسيع التنسيق بين تركيا والسعودية، ليس على المستويين الأمني والسياسي فحسب، بل أيضًا في مجالات إعادة الإعمار والاقتصاد.
وأوضح أن سوريا يمكن أن تتحول إلى بوابة للتعاون بين تركيا ودول الخليج، ولا سيما في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار، بما يعزز الترابط بين تركيا ودول الخليج، ويفتح المجال أمام تنفيذ مشاريع مشتركة تخدم مصالح الأطراف المعنية.
وعن موقع لبنان في الحسابات التركية، ومدى انعكاس التقارب التركي–السعودي على أمن لبنان واستقراره وتعزيز مؤسسات الدولة والجيش اللبناني؟ شدد غوك على أن أولوية اتفاقية مكة تتركز على مواجهة التهديدات في منطقة الخليج وضمان أمن الملاحة، إلا أن لبنان يبقى حاضرًا في الحسابات الاستراتيجية لكل من تركيا والسعودية. وأشار إلى وجود رغبة لدى البلدين في تعزيز التنسيق بينهما بما يساهم في الحد من الاستقطاب داخل لبنان.
وأضاف أن تركيا والسعودية تدعمان تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية ورفع قدرات الجيش اللبناني، انطلاقًا من أهمية استقرار لبنان بالنسبة إلى أمن واستقرار منطقة شرق المتوسط. ورأى أن اتفاقية مكة يمكن أن تنعكس بصورة إيجابية على لبنان، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر، من خلال دعم استقراره وتعزيز مؤسسات الدولة فيه.