خاص “المدى”
على حافة مواجهة جديدة، تتصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وسط استعدادات أميركية لاحتمال استئناف الحرب، وإصرار إيراني على الصمود والردّ بقوة على أي هجوم. وفي ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية الأميركية، وتهديدات طهران باستهداف إسرائيل والمصالح الأميركية في المنطقة، وصولًا إلى منشآت الذكاء الاصطناعي وكابلات الإنترنت في مضيق هرمز، تتجه الأنظار إلى معركة الإرادات بين الطرفين: من يستطيع تحمّل كلفة المواجهة على المدى الطويل، ومن سيضطر إلى التراجع أو تقديم التنازلات أولًا؟
ومن إيران، قال الخبير والباحث في الشؤون الإيرانية والسياسات الإقليمية والدولية سعيد شاوردي إن تهديدات ترامب بشنّ حرب على إيران قد تندرج في إطار الحرب النفسية، من دون أن ينفي ذلك احتمال استئناف المواجهة. وأكد أن طهران لا تشعر بالقلق أو الخوف من تجدد الحرب، وأنها مستعدة للرد على الولايات المتحدة وإسرائيل بقوة أكبر وعلى نطاق أوسع مما شهدته المواجهات السابقة. ولفت إلى أن إغلاق مضيق هرمز أظهر قدرة طهران على اتخاذ خطوات لم تكن واشنطن تتوقعها.
وحذّر شاوردي من أن أيّ مواجهة جديدة قد تمتد إلى المصالح الأميركية في المنطقة، بما فيها منشآت الذكاء الاصطناعي وكابلات الإنترنت في مضيق هرمز، بما قد يخلّفه ذلك من تداعيات اقتصادية. ورفض تصريحات ترامب بشأن هزيمة إيران وتدمير مشروعها النووي، داعيًا المجتمع الدولي إلى تكثيف الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لاحتواء التصعيد. وأكد أن إيران أعدّت نفسها، على مدى عقود، لمواجهة مثل هذه الظروف.
وأكد شاوردي أن إيران قادرة على الصمود لفترة طويلة، مشيرًا إلى أن كثيرين يجهلون مقوّمات الحياة فيها وإمكاناتها الكامنة، ولا يدركون طبيعة المجتمع الإيراني ومعتقداته ومعنوياته، فضلًا عن عمق حضارته وتاريخه. واعتبر أن عدم الإلمام بهذه العوامل يؤدي إلى أخطاء كبيرة في تقدير الموقف، سواء لدى الولايات المتحدة أو لدى المحللين السياسيين.
وأضاف أن إيران الحقيقية تختلف عن الصورة التي تنقلها وسائل الإعلام، مؤكدًا أنها لن تسقط أو تُهزم أو تستسلم، وأنها قادرة على مواصلة الصمود والمواجهة طويلًا. وأشار إلى أن طهران تؤكد منذ عقود أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تقرران بدء الحرب، لكن إيران هي التي سترسم نهايتها وتطلق الرصاصة الأخيرة.
وفي ما يتعلق بالبرنامج النووي، شدّد شاوردي على رفض إيران التنازل عن حقوقها وسيادتها، معتبرًا أن برنامجها النووي سلمي، ويستند إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وأن من حقها تخصيب اليورانيوم للأغراض المدنية بنسبة تصل إلى 3.67 في المئة.
وأوضح أن إيران قررت مواصلة المواجهة حتى النهاية، مؤكدًا أنها لن تنسحب من الساحة أو تتنازل عن مواقفها.
وقال إن إيران مستعدة لإعادة فتح مضيق هرمز والسماح للجميع بالعبور عبره، كما كان الحال قبل الحرب، مؤكدًا أنها لا ترغب في إغلاقه، لكنها تتمسك بحقها وحق سلطنة عُمان في الاستفادة منه، وترفض تحوّله إلى أداة للضغط عليها أو تهديد أمنها القومي.
وأضاف أن ترامب يسعى إلى فرض سيطرة عسكرية وتجارية على المضيق، والضغط على الصادرات والواردات الإيرانية، فضلًا عن تهديد طهران من خلال الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. وشدّد على أن إيران لن تقبل بهذه السياسة، مشيرًا إلى أن الأسطول الأميركي بات، وفق قوله، على بُعد يتراوح بين 500 و700 كيلومتر من السواحل الإيرانية ومياهها الإقليمية. واعتبر أن هذا التطور يشكّل جزءًا من الهزيمة الأميركية.
ورأى شاوردي أن الحل بيد واشنطن، معتبرًا أن إنهاء أزمة الطاقة والتجارة العالمية المرتبطة بمضيق هرمز يقتضي سحب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران وإعلان انتهاء الحرب. وحذّر من أن التهديد العسكري لن يدفع طهران إلى الخضوع أو التنازل عن المضيق لترامب.
وعن احتمال استئناف الضربات، أجاب شاوردي: «لن يتغير شيء. ربما تؤدي الضربات، لا سمح الله، إلى استشهاد عدد كبير من الإيرانيين، لكنّها، مهما بلغت شدّتها واتسع نطاقها، لن تغيّر موقف إيران وقرارها المعلن، بل قد تدفعها إلى مزيد من التشدّد».
وأضاف: «إذا وقعت هذه الضربات، فمن المؤكد أنها ستُقابل برد إيراني يستهدف الولايات المتحدة ومصالحها في الدول القريبة من إيران. وأعتقد أن إسرائيل ستكون الهدف الأساسي للرد العسكري الإيراني».
واعتبر شاوردي أن الخطأ الذي يرتكبه ترامب هو اعتقاده أن توسيع نطاق الضربات سيدفع إيران إلى الخوف والتراجع وتقديم التنازلات. وشدّد على أن هذا لن يحدث، معتبرًا أن طبيعة الإيرانيين تجعلهم أكثر تمسّكًا بالمقاومة كلما اشتدّت الضربات وتصاعدت الحرب، وأن ردّهم قد يتّسع نطاقًا تبعًا لذلك.
وأضاف أنه متأكد تمامًا من أن استهداف ترامب المنشآت النووية والبنية التحتية الإيرانية سيقابَل بردّ إيراني يستهدف الولايات المتحدة ومصالحها وإسرائيل، من دون الالتزام بأي خطوط حمراء.
وعن الجهة التي تحدّد القرار الإيراني، الدبلوماسية أم المؤسسة العسكرية، أجاب شاوردي بأن الدبلوماسية والقوة العسكرية جناحان لا يمكن الفصل بينهما. وأشار إلى أن وزير الخارجية عباس عراقجي يؤكد دائمًا أن القوة العسكرية تشكّل الداعم الأساسي للمفاوضين، فيما يرى العسكريون أن مهمتهم استهداف العدو، وأن الدبلوماسيين هم من ينبغي أن يستثمروا نتائج العمليات العسكرية. وخلص إلى أن أياً من المؤسستين لا تتحكم بالأخرى، بل تتكامل أدوارهما.
وأضاف أن محاولات إحداث شرخ بين المؤسستين تكررت خلال الأسابيع والأشهر الماضية، حين كان ترامب وبعض المحللين يحمّلون المؤسسة العسكرية والحرس الثوري مسؤولية عرقلة التوصل إلى تفاهم مع إيران. واعتبر أن هذه المحاولات، التي هدفت إلى إثارة الخلافات داخل المجتمع الإيراني وبين المؤسستين، باءت بالفشل. وأشار إلى أن ترامب لم يعد يتحدث بهذا المنطق، مرجّحًا أنه أدرك أن الرهان على وجود خلافات بين المؤسستين لم يحقق أهدافه.
وقال إنه عندما تصل المفاوضات والمساعي السياسية إلى طريق مسدود، تتدخل المؤسسة العسكرية وتؤدي دورًا أكثر بروزًا. أما عندما تلوح بوادر أمل في التوصل إلى تفاهم، فيتراجع الحضور العسكري ويتعاظم دور الدبلوماسية.
وأكد شاوردي إن إيران لا ترى نفسها الطرف الذي ينبغي أن يتحمّل كلفة إنهاء الحرب، معتبرًا أن الحرب عليها غير شرعية وغير قانونية وغير مبررة، وترقى إلى جريمة حرب.
ورأى أن مجلس الأمن والأمم المتحدة يخضعان، منذ عقود، لنفوذ الولايات المتحدة والقوى الكبرى والدول الأوروبية. وأشار إلى أن مجلس الأمن لم يمنح واشنطن وتل أبيب تفويضًا لشنّ الحرب على إيران، فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى إنهائها، وعارضت روسيا والصين مرارًا محاولات أميركية لاستصدار قرارات ضد طهران.
واعتبر شاوردي أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما الطرفان اللذان ينبغي أن يتحمّلا مسؤولية الحرب وأن يدفعا تعويضات لإيران عن خسائرها، بدلًا من مطالبة طهران بتقديم تنازلات لإنهائها.
وأشار إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد، لافتًا إلى أن أحد بنودها ينص على إنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار. واعتبر أن ذلك يشكّل إقرارًا أميركيًا بانتفاء مبررات الحرب وبضرورة تعويض إيران عن خسائرها.
وقال شاوردي إن إيران تعتقد أن شعوب المنطقة ودولها وقوى المقاومة فيها هي التي ستبقى، فيما ستضطر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مغادرة الساحة. وأضاف أن حزب الله قد يكون تكبّد خسائر كبيرة، لكن الإرادة أقوى من كل شيء.
واعتبر أن الشعب اللبناني يمتلك إرادة المقاومة والمواجهة ورفض التنازل والاستسلام، محذّرًا من أن التخلي عن السلاح والمقاومة وتطبيع العلاقات مع إسرائيل لن يضمن، كما يروّج الأميركيون والإسرائيليون، تحسّن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في لبنان، بل إن الاستسلام للعدو ستكون له عواقب أشدّ قسوة على اللبنانيين.
وأكد شاوردي أن إيران تعتقد أن حزب الله سيواصل مقاومته والدفاع عن الشعب اللبناني ومواجهة الاحتلال، ولن يستسلم مهما بلغت الكلفة، مشدّدًا على أن طهران ستواصل دعم حزب الله وكل شعب يواجه الاحتلال الإسرائيلي.
ورأى أن مآلات المواجهة بين إيران والولايات المتحدة ستصبّ في مصلحة طهران، وأن واشنطن ستضطر إلى القبول بالشروط الإيرانية، ورفع العقوبات، والإقرار بحق إيران في برنامج نووي سلمي، وسحب قواتها وإنهاء الحرب. وأضاف أن ذلك قد يتحقق خلال أسابيع أو أشهر، أو بعد جولات أخرى من المواجهة.
واعتبر أن انتصار إيران سينعكس على حلفائها، ويعزّز مكانتهم إقليميًا ودوليًا، فيما ستجني الحاضنة الشعبية الداعمة لهم ثمار ذلك، رغم ما قد يتطلبه الأمر من صبر وتحمّل للتكاليف.