يغرق مشهد السياسة الدولية اليوم في مخاض معقّد تتقاطع فيه خطوط المواجهة من جبهات شرق أوروبا وصولاً إلى عمق الشرق الأوسط، في زمن باتت فيه الحسابات الانتخابية الداخلية لصناع القرار تمتزج بصياغة الحروب المفتوحة وإعادة ترتيب موازين القوى العالمية. وبين يمين إسرائيلي مأزوم يبحث عن طوق نجاة، ومزاج سياسي متقلب في واشنطن، وقارة أوروبية تئن تحت وطأة الإنهاك الاقتصادي، تبدو حالة الانفلات الراهنة بمثابة إعادة رسم قسرية لخرائط النفوذ الإقليمي والدولي. وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبرز السؤال الأبرز حول مدى نجاح تصعيد نتنياهو العسكري في إيران والضفة في إنقاذ شعبيته المتراجعة وضمان أغلبيته الانتخابية؟
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون الاوروبية أكثم سليمان أن العلاقة بين التصعيد العسكري والانتخابات الإسرائيلية ليست معادلة بسيطة تقوم على مبدأ “صعّد تكسب، هدّئ تخسر”، ويؤكد أن العامل الأمني يلعب بلا شك دوراً محورياً في الوجدان العام بعد السابع من أكتوبر، لكن المجتمع الإسرائيلي أصيب بإنهاك حقيقي من الحروب المستمرة. بناءً على ذلك، فإن الخط العسكري التصعيدي لنتنياهو منذ عام 2023 – والذي شمل جبهات غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية وإيران– كان يصلح أداةً لتأجيل الانتخابات وتمديد عمر الحكومة، وليس بالضرورة وسيلة مضمونة لضمان نتيجة الصناديق، رغم أن التصعيد يظل الهوية الأيديولوجية الثابتة لليمين المتطرف.
وعن أبعاد الدعم الذي قدمه ترامب لنتنياهو في هذا التوقيت وهل يخدم حساباتهما؟ يشير سليمان الى أن ترامب لم يُخفِ يوماً انحيازه المطلق لنتنياهو؛ وتجلى ذلك في مواقفه المتعددة وتكثيف التواصل بينهما، وهو ما يبعث برسالة طمأنة للناخب الإسرائيلي “الخائف” بأن نتنياهو يحظى بمظلة حماية من زعيم الدولة الحليفة الأولى. أما تقلبات الساحة السياسية الداخلية لترامب في واشنطن، فهي قضية لا تكاد تؤثر في حسابات الناخب الإسرائيلي، خاصة وأن اللوبي المؤيد لإسرائيل يمتلك أوراق ضغط قوية لدى المعسكرين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء. إن العلاقة هنا تتجاوز مجرد تحالف سياسي وشخصي، لتعبّر عن جبهة أيديولوجية موحدة تجمع قوى اليمين والمحافظين الأشداء حول العالم.
وردا على سؤال قال سليمان: إن افتراض الذهاب إلى مواجهة عسكرية كبرى مع إيران لمجرد اعتبارات انتخابية ينطوي على مقامرة غير محسوبة بأسس السياسة. وحتى على مستوى التصعيد في الضفة الغربية، لا توجد ضمانات بأن يصب ذلك في مصلحة نتنياهو؛ فبينما يراه اليمين صاحب “اليد الحديدية”، تنظر إليه أوساط الوسط واليسار كقائد عاجز عن إيجاد حلول خارج لغة القصف التي ترتد في النهاية كلفةً بشرية واقتصادية على المجتمع الإسرائيلي نفسه. لذلك، فإن قرار الحرب الكبرى يخضع لخطوط حمراء وحسابات أميركية وإقليمية دقيقة لا تتيح حالياً فرصة لاندلاع حرب مفتوحة، مما يبقي هذه المواجهة الشاملة مؤجلة حتى إشعار آخر.
وعن تأثير انتخابات التجديد النصفي الأميركية على سياسة ترامب تجاه إسرائيل وإيران وأوروبا وأوكرانيا، خصوصاً إذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم في الكونغرس؟ أوضح سليمان أن القراءة السياسية للانتخابات النصفية تتأرجح بين سيناريوهين:
الاحتمال الأول (وهو الأضعف): أن يحافظ الجمهوريون على مواقعهم، مما يتيح لترامب مواصلة نهجه بنفس الزخم. ومع ذلك، فإن سياساته بدأت تصطدم بنهاياتها نتيجة عوامل موضوعية خارجية معقدة في ملفي إيران وأوكرانيا، وليس بفعل المعارضة الداخلية فقط.
الاحتمال الثاني (وهو الأرجح): أن يحقق الديمقراطيون مكاسب أوسع تتحول إلى كبح تشريعي لخطط الإدارة. في هذا السيناريو، ستدخل السياسة الأميركية مرحلة تباطؤ وتعطيل في ملفات الحلفاء والخصوم على السواء. وسيتحول الرئيس في النصف الثاني من ولايته إلى ما يُعرف سياسياً بـ”البطة العرجاء”، وهو ما يعني انحسار قدرته التنفيذية دون أن يترتب على ذلك إلغاء كامل لتوجهاته الاستراتيجية.
وإلى أي مدى تستطيع أوروبا مواصلة دعم زيلينسكي، في ظل الاحتجاجات المعيشية والضغوط الاقتصادية الداخلية، وتزايد الأعباء الدفاعية، والتباينات مع إدارة ترامب؟ اجاب: تبدو أوروبا اليوم في أضعف حالاتها السياسية؛ حيث تشبه آليات عملها وقصور رؤيتها الموحدة آليات “جامعة الدول العربية”. ورغم الخلافات البينية الحادة وفشل القمة الأوروبية الأخيرة في الخروج ببيان مشترك، ورغم تصدع العلاقات العبر أطلسية والأزمات الاقتصادية التي تقود إلى هجرة رؤوس الأموال والاستثمارات، إلا أن المواقف الأوروبية لم تشهد انعطافة جذرية بعد.
أضاف: يبدو أن العواصم الأوروبية مستمرة في النهج الحالي اعتماداً على الاستدانة من الرأسمال العالمي لدعم أوكرانيا. وإذا ما صدقت المؤشرات بشأن أفكار أميركية-روسية مستجدة لإيجاد طرف يمثل الاتحاد الأوروبي في مفاوضات تسوية، فقد يشكل ذلك مخرجاً يحفظ ماء وجه أوروبا ويتيح لها التراجع عن خياراتها ذات “النزعة الانتحارية” التي أدت إلى صعود اليمين المتطرف، وانحسار الرفاه، وهجرة الاستثمارات.
وهل تتجه العلاقات الدولية نحو مزيد من الفوضى، أم أن هذه الضغوط قد تدفع القوى الكبرى إلى صياغة تسويات جديدة؟ يشير سليمان الى أن المؤشرات تلوّح بملامح قمة مرتقبة قد تجمع الرؤساء الأميركي والروسي والصيني، وهو لقاء يمكن وصفه بـ”يالطا المستقبل”؛ كونه يمثل لبنة أساسية نحو إعادة إدارة العالم بصيغة متعددة الأقطاب. لقد انتهى زمن القطب الواحد الذي هيمنت فيه واشنطن منفردة بين عامي 1991 و2016، وبرزت الصين كعملاق اقتصادي وروسيا كقوة عسكرية فاعلة. جلوس هؤلاء القادة معاً هو اعتراف بالأمر الواقع، والأمل معقود على أن تكون الفوضى الراهنة مرحلة انتقالية لتأسيس نظام عالمي جديد؛ لأن استمرار الانفلات يهدد بصدام مباشر. ومن هنا تكتسب الحوارات الثنائية (الروسية-الأميركية والروسية-الصينية) أهميتها لإعادة ضبط الأزمات تحت السقف الآمن، على غرار توازنات الحرب الباردة.
وهل يخشى لبنان أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أجاب سليمان:في حسابات القوى الكبرى والإقليمية، لا يتم التعامل مع لبنان كملف مستقل أو كحالة جغرافية وسياسية منفصلة، بل هو جزء من معادلة إقليمية شاملة. إن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان والضفة وغزة والجنوب السوري ليست سوى تفاصيل في لوحة الصراع الأميركي-الإيراني الأكبر والممتد. وبما أن مسارات هذا الصراع لم تتضح نهاياتها بعد، فإن مصير الاستقرار في لبنان يظل رهناً بالتسوية الكبرى. ولا تملك الأطراف المحلية حالياً سوى المناورة السياسية الضيقة ومحاولة الحفاظ على حد أدنى من التوازن الداخلي بانتظار تبلور المشهد الدولي، إذ إن التجاذبات المحلية اللبنانية لا تشكل وزناً جاداً في مطبخ القرار الدولي الذي تحركه المصالح الاستراتيجية الكبرى.