تُستأنف اليوم في جنيف المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا برعاية أميركية، في محاولة جديدة لكسر الجمود في أزمة تدخل عامها الرابع، وسط تصاعد الصراع على النفوذ وإعادة رسم موازين القوى الدولية. وبعد جولتين في أبوظبي لم تسفرا عن اختراق يُذكر، تبدو موسكو ممسكة بزمام المبادرة، مستندة إلى واقع ميداني يمنحها هامشًا أوسع في مواجهة الضغوط الغربية.
جولة جنيف تضع الدبلوماسية أمام اختبار صعب: هل تملك القدرة على إحداث تحول سياسي حقيقي، أم أن مسار الحرب سيظل العامل الحاسم في تحديد الشروط والنتائج؟ كما يبرز سؤال موازٍ حول مدى قدرة الدول الغربية على ترجمة ضغوطها السياسية والاقتصادية إلى مكاسب تفاوضية ملموسة.
الدكتور نزار بوش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة موسكو للعلوم الإنسانية، أكد لـ”المدى” أن روسيا ترى أن أي مفاوضات في جنيف يجب أن تُبنى على ما تم الاتفاق عليه بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب في لقاء أنكوريج بألاسكا، حيث تم الاتفاق على كل النقاط الأساسية بين الولايات المتحدة وروسيا. وخارج هذا الإطار، لن تقبل روسيا بأي مطالب أوكرانية، مهما كان الضغط الأميركي تكتيكيًا أو سياسيًا.
ولفت بوش الى أن جولتين من المفاوضات بين موسكو وكييف والولايات المتحدة في أبوظبي لم تسفرا عن نتائج ملموسة بشأن وقف إطلاق النار أو إنهاء الحرب أو تجميدها، بسبب تمسّك روسيا بشروطها التي لم تتغير منذ عام 2022. وزادت صرامة روسيا بعد التجارب السابقة، خصوصًا بعدما خُدعت مرتين: الأولى خلال اتفاقية مينسك، والثانية أثناء مفاوضات إسطنبول 2022، بعد أن تعثر توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار أو معاهدة سلام، حيث تم الالتفاف على هذا الاتفاق حين شجّع رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون، زيلينسكي على الاستمرار في الحرب.
وقال: اليوم، تعلمت روسيا من تلك الدروس، وتتمسك بعدم التنازل عن كامل منطقة الدونباس، بما في ذلك السيطرة على نحو 12–13٪ من الأراضي التي لا تزال تحت سيطرة أوكرانيا. هذا البند هو الأول في مطالبها، وتعتبر هذه الأراضي جزءًا من روسيا وفق دستورها.
البند الثاني يتعلق بحياد أوكرانيا والضمانات الأمنية بعدم انضمامها إلى حلف الناتو، إضافة إلى تحديد حجم القوات المسلحة الأوكرانية بما يتفق عليه الطرفان. فروسيا، وفق عقيدتها، لن تقبل بالخسارة، وتسعى للفوز سياسيًا وعسكريًا.
في المقابل، تسعى الدول الغربية، وعلى رأسها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وبولندا، لاستنزاف روسيا اقتصاديًا وعسكريًا، لكن موسكو تملك موارد كبيرة وقدرة على الاستمرار، بينما تتضرر أوكرانيا وشعبها مباشرة.
وعليه، توقّع بوش أن تركز مفاوضات جنيف على المطالب الروسية الأساسية: الأراضي والضمانات الأمنية، بما في ذلك عدم وجود قوات أجنبية على الأراضي الأوكرانية، وعدم التنازل عن المناطق الرئيسية: دونباس، خيرسون، زابوريجيا، ودونيتسك ولوغانسك، وأكد أن المبادرة الفعلية تبقى بيد روسيا، التي ستستفيد من أي تقدم على الجبهة لتعزيز موقفها التفاوضي.
ورغم الحديث عن إمكان التفاوض على أراضي الدونباس، أشار بوش الى تصميم روسيا على بقاء كامل المنطقة تحت سيطرتها، ومن الممكن أن تتنازل روسيا عن بعض المناطق في مقاطعتي خاركوف وسومي، لكن هذا لا يعني عودة الجيش الأوكراني اليها. بل ستُترك على الأرجح كـ”مناطق عازلة” خالية من القوات الأوكرانية لضمان الأمن وتقليل أي تهديد محتمل.
وفي ما يخص محطة زابوروجيا النووية أشار بوش إلى أنها تحت إدارة الخبرات والمهندسين الروس، وهي حاليًا لا تنتج الكهرباء. ورغم أن روسيا قد تستخدم المحطة مستقبلًا لتزويد أوكرانيا بالكهرباء بأسعار مخفضة أو مجانًا بعد وقف إطلاق النار أو التوصل إلى سلام، فإن موسكو تعتبر المحطة جزءًا من أراضيها ولن تتخلى عنها، ما يعني أن السيطرة الكاملة ستظل بيدها، مع الاكتفاء بمشاركة دولية محدودة في الرقابة والمتابعة. ومن منظور روسي، قد يستغرق بناء الثقة بين الطرفين سنوات، وربما يحتاج إلى تغييرات سياسية في كلا البلدين.
أما الدور الأميركي فرأى بوش أن ترامب يسعى لإظهار نفسه كبطل سلام قبل انتخابات الكونغرس، لكنه لا يضغط بجدية على زيلينسكي، خصوصًا مع استمرار دعم الدول الغربية لأوكرانيا بالسلاح والتمويل. من منظور موسكو، الولايات المتحدة هي المستفيد الأكبر سياسيًا واقتصاديًا من الحرب، لذلك أي ضغط أميركي يظل تكتيكيًا أكثر من كونه فعليًا.
وبالنسبة لتوقعات الجولة الجديدة في جنيف، فهي محدودة النتائج، ويمكن التفاؤل بحذر فقط، وفق بوش، وإذا فشلت المفاوضات، من المتوقع أن تواصل روسيا تحقيق أهدافها العسكرية عبر ضربات عنيفة وتقدم ميداني، وربما السيطرة خلال الربيع على أراض إضافية تتجاوز دونباس وحتى مناطق في مقاطعة خاركوف، ما يعني مزيدًا من الخسائر البشرية والاقتصادية لأوكرانيا. أما إذا توقفت الحرب الآن، فسوف تقل الخسائر وتحافظ أوكرانيا على بنيتها التحتية.