ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة قداس الشعانين في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وقال في عظته: “في أَحَدِ الشَّعانِينِ نحنُ أَمامَ سُؤالٍ جَوْهَرِيٍّ: أَيَّ مَلِكٍ نَنْتَظِرُ؟ وأَيَّةَ صُورَةٍ عَنِ السُّلْطَةِ نَحْمِلُ في أَذْهانِنا؟ إِنَّ الجُمُوعَ الَّتي اسْتَقْبَلَتْ الرَّبَّ يَسوعَ كَمَلِكٍ ظافِرٍ،كانَتْ تَتَوَقَّعُ مَلِكًا أَرْضِيًّا يُحَرِّرُها مِنَ الإحْتِلالِ وَيَبْطُشُ في الأرْضِ، لَكِنَّها سُرْعانَ ما خابَتْ حِينَ اكْتَشَفَتْ أَنَّهُ لا يُلَبِّي طُمُوحاتِها. لِذَلِكَ تَحَوَّلَ هُتافُ «أُوصَنَّا» بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ إلى «اصْلِبْهُ». هَكَذا هُوَ قَلْبُ الإِنْسانِ. حِينَ يَبْقَى أَسِيرَ المَصالِحِ الضَّيِّقَةِ لا يَفْهَمُ سِرَّ اللهِ الَّذي يَعْمَلُ في التَّواضُعِ والبَساطَةِ والخَفاء. لذا نُخاطِبُ اليَوْمَ بِشَكْلٍ خاصٍّ كُلَّ مَنْ أُوْكِلَتْ إِلَيْهِ مَسْؤُولِيَّةٌ في هَذا البَلَدِ، سِواءَ في الحُكْمِ أَوِ القِيادَةِ أوِ الإِدارَةِ أَوِ القَضاءِ أوِ الخِدْمَةِ العامَّة. إِنَّ المَسِيحَ لا يَدْخُلُ اليَوْمَ إلى أُورَشَلِيمَ فَقَطْ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ إلى قَلْبِ كُلِّ مَسْؤُولٍ، لِيُعِيدَ تَعْرِيفَ السُّلْطَةِ في داخِلِه. السُّلْطَةُ، بِحَسَبِ الإِنْجيلِ، لَيْسَتْ إِمْتِيازًا يُسْتَغَلُّ، بَلْ أَمانَةٌ تُحْمَلُ. لَيْسَتْ تَعالِيًا على النَّاسِ، بَلِ انْحِناءٌ نَحْوَهُمْ. لَيْسَتْ تَرَفًا في القُصورِ، بَلْ مُشارَكَةٌ في آلامِ الشَّعْب. السُّلْطَةُ خِدْمَةٌ وتَضْحِيَةٌ وَبَذْلٌ وعَطاءٌ”.
واضاف عودة: “كَمْ هُوَ مُؤْلِمٌ أَنْ يَبْقَى الشَّعْبُ مُثْقَلًا بِالأَوْجاعِ والهُموم، رازِحًا تَحْتَ الضُّغوطِ الإقْتِصادِيَّةِ والإجْتِماعِيَّةِ والأمْنِيَّةِ، قَلِقًا على مَصيرِهِ، فِيما المَسْؤُولُونَ يَكْتَفُونَ بِخِطاباتٍ وَقَراراتٍ لا تُغَيِّرُ واقِعًا، ولا تَمْسَحُ دَمْعَةً، ولا تُطْعِمُ جائِعًا، أو تَردُّ نازِحًا إلى بَيْتِه. الأعْمالُ هِيَ المِقْياس. المَسيحُ لَمْ يَكْتَفِ بِالكَلامِ بَلْ نَزَلَ إلى عُمْقِ مُعاناةِ الإِنْسانِ، شَفى المَرْضَى، طَهَّرَ البُرْصَ، أطْعَمَ الجُموعَ، أقامَ المَوْتى، بَكَى مَعَ الباكِين، جالَسَ المُحْتَقَرينَ والمُهَمَّشينَ وَعَزّى قُلوبَهُم”.
وختم: “ذِكْرى الشَّعانِينِ دَعْوَةٌ لَنا جَمِيعًا إلى اسْتِقْبالِ المَسِيحِ في حَياتِنا، لا بِسَعَفِ النَّخِيلِ فَقَطْ، بَلْ بِأَعْمالِ المَحَبَّةِ وَالتَّواضُعِ وَالوَداعَةِ وَالرَحْمَة. فَلْنَسْأَلْ أَنْفُسَنا: هَلْ نَسْمَحُ لَهُ بِأَنْ يَمْلِكَ على حَياتِنا أَمْ نُرِيدُهُ فَقَطْ أَنْ يُلَبِّي رَغَباتِنا؟ إِنَّ المَلَكُوتَ الَّذي يُعْلِنُهُ المَسِيحُ يَبْدَأُ في القَلْبِ، حِينَ نَخْتارُ السَيْرَ في طَرِيقِهِ، طَرِيقِ الصَّلِيبِ الَّذي يَقُودُ إلى القِيامَة. فَلْنَفْرَحْ إِذًا في الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، كَما يَدْعُونا الرَّسولُ بولُس في رِسالَةِ اليَوم، وَلْتَكُنْ وَداعَتُنا مَعْرُوفَةً عِنْدَ جَمِيعِ النَّاس. وَلْنُسَلِّمْ هُمومَنا للهِ بِالصَّلاةِ والشُّكْرِ، لِكَيْ يَمْلَأَ سَلامُهُ قُلوبَنا. عِنْدَئِذٍ، نُصْبِحُ نَحْنُ أَيْضًا شُهُودًا لِهَذا المَلِكِ الوَدِيعِ، نَحْمِلُهُ إلى العالَمِ بِأَفْعالِنا، مُعْلِنينَ أَنَّ مَنْطِقَ القُوَّةِ والحَرْبِ والقَتْلِ مَرفوضٌ، وأنَّ المَحَبَّةَ طَريقُنا، وأنَّ الرَّجاءَ لا يَزالُ مُمْكِنًا، لأَنَّ المَسِيحَ الذي دَخَلَ إلى أُورَشَلِيمَ، مَعَنا، وقَد فَتَحَ لَنا طَرِيقَ الحَياة”.