بعد أشهر من التوتر وتعثر المفاوضات مع القوى الأوروبية بشأن البرنامج النووي الإيراني، تستعد إيران لاستئناف جولة جديدة من المحادثات غدًا الثلاثاء، والتي تُعدّ الجولة الثالثة في إطار سلسلة مباحثات بدأت في ايار 2025 مع الجولة الأولى في إسطنبول، تلتها الجولة الثانية في تموز من نفس العام، أيضًا في إسطنبول.
يأتي هذا الاستئناف وسط ترقّب دولي واسع، فيما تشهد طهران تحركات داخلية مهمّة، حيث يعقد مجلس الأمن القومي الإيراني اجتماعاً حاسماً خلال 24 ساعة لاتخاذ موقف رسمي من المقترحات الأوروبية وتحديد الاستراتيجية التي ستُطرح في هذه الجولة التفاوضية.
ما سيصدر عن هذا الاجتماع سيكون مؤشّراً واضحاً على مدى رغبة طهران في الاستمرار بالحوار أو التحوّل نحو التصعيد، في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة.
وفي الوقت الذي تُلوّح فيه إيران بخيارات متعدّدة، قد تشمل التصعيد، يبقى السباق الدبلوماسي متقدّماً على أي تصعيد محتمل، وسط آمال دولية بتحقيق تقدم يوقف دوامة التوتر في المنطقة.
وعليه، يترقّب الجميع نتائج اجتماع مجلس الأمن القومي الإيراني، الذي سيكشف عن اتجاه طهران في التعامل مع الملف النووي وسط الضغوط الأوروبية والأميركية. هذا القرار سيكون له تأثير مباشر على مسار المفاوضات، وقد يحدد مستقبل الاستقرار في المنطقة بأسرها.
في هذه اللحظة الحاسمة، يبقى السؤال: هل ستختار إيران الحوار والتهدئة، أم تلجأ إلى خيارات تصعيدية تحافظ بها على موقفها القوي؟
وعشية الجولة التفاوضية الاوروبية ـ الايرانية “النووية”، تحدثت “المدى” الى المحلل السياسي الايراني محمد غروي، فاعتبر أن المفاوضات مع أوروبا ما هي إلا الوجه الآخر للمفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية، فلا يمكن لأحد أن ينكر أن الأوروبيين ينفذون الرغبات والتوجهات الأميركية في تعاملهم مع إيران. ويبدو أنهم باتوا مقتنعين بأن التفاوض مع إيران، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بات أمرًا مستحيلًا من وجهة نظرهم. لذلك، يختبئون خلف الدور الأوروبي، ويحاولون عبره تحقيق ما لا يستطيعون الحصول عليه بشكل مباشر من خلال المفاوضات.
وقال غروي: لذلك، نلاحظ أن الشروط الأوروبية المطروحة في المفاوضات هي نفسها الشروط الأميركية، ومن بينها الدعوة إلى مفاوضات مباشرة بين إيران والولايات المتحدة. وهذا، في رأيي، لا يُعَد تصرفًا عقلانيًا؛ إذ من غير المنطقي أن يتولى الأوروبي التفاوض مع إيران، بينما يضمن في الوقت نفسه ما تريده واشنطن. فالولايات المتحدة، عندما كانت تتفاوض مع إيران قبل الحرب، لم تكن تطالب بالشروط الأوروبية، ولم يكن الأوروبيون يضعون شروطًا أصلًا. بل إن الأميركي لم يكن ينسّق مع الأوروبيين في هذا السياق، وكان هناك انزعاج واضح لدى الأوروبيين من تفرد واشنطن بالمفاوضات.
لكن الضعف الأوروبي بلغ حدًّا جعلهم غير قادرين على التدخل عندما تجري مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران. أما عندما يتولّون هم التفاوض مع الجانب الإيراني، فنلاحظ أن معظم شروطهم هي ذاتها الشروط الأميركية، بل ويضيفون إليها مطلبًا صريحًا بأن يجلس الإيرانيون إلى طاولة مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة.”
الا أن غروي أبدى اعتقاده بأن المفاوضات باتت اليوم الخيار الأخير المتاح. ومع ذلك، لم يغلق الجانب الإيراني باب التفاوض، إذ لا يزال يؤمن بأن الحوار هو الحل الأمثل. فالجميع يدرك أنه حتى في حال اندلاع حرب، ومهما طال أمدها، فإن نهايتها ستكون بالمفاوضات، التي ستُجبر الطرفين على الجلوس إلى طاولة واحدة لتنسيق المواقف والتفاهم حول ما بعد الحرب.
لذلك، يعتقد الإيراني أنه من الممكن التفاوض قبل اندلاع أي حرب، مع تأكيده في الوقت نفسه أنه لا يهاب الحرب، بل خَبِرها من قبل. وعلى النقيض، فإنّ الولايات المتحدة هي التي خسرت أوراقها، سواء التفاوضية أو حتى التهديدية التي اعتدنا سماعها. ومن هنا، فإنّ استمرار إيران في إبقاء باب التفاوض مفتوحًا يعكس عقلانيتها، إذ إنها ما زالت تتعامل ببراغماتية عالية، فتجلس إلى طاولة الحوار رغم إدراكها أن هذه المفاوضات تسعى لانتزاع تنازلات منها، وتقوم على شروط أميركية قاسية.
لكن الإيراني يرى أنه من الضروري إيصال رؤيته وشروطه بوضوح، خاصة في ما يتعلق بمرحلة ما بعد الحرب، وكيفية تعاطيه مع التطورات المحتملة. فهو يسعى لتقديم تصور شامل يضمن رفع العقوبات، وتفادي أي تصعيد، سواء على المستوى الدبلوماسي أو السياسي أو الاقتصادي. وفي هذا السياق، يبذل الإيراني جهدًا كبيرًا لمنع تفعيل آلية الزناد من قِبل الأوروبيين، ويقوم بكل ما بوسعه لقطع الطريق أمام هذا الخيار.
لكن في خلفية المشهد، لا يبدو، وِفق غروي، أن صانع القرار الإيراني يشعر بالخوف، رغم اعتقاده بنسبة تتجاوز 80% بأن الأوروبيين يتجهون فعليًا نحو تفعيل آلية الزناد. ومع ذلك، لا يُشكّل هذا التهديد دافعًا للتراجع أو تقديم تنازلات. في المرحلة الأخيرة، قدّم الأوروبيون مقترحًا للإيرانيين يقضي بتمديد الاتفاق النووي، المعروف أنه ينتهي في تشرين الأول، لمدة ستة أشهر. وبهذا التمديد، يمنح الأوروبيون لأنفسهم وقتًا إضافيًا قد يتيح لهم استخدام آلية الزناد لاحقًا، وفي المقابل، يمنح إيران فرصة زمنية لمواصلة التفاوض.
مجلس الأمن القومي
وكشف غروي أنه خلال الساعات الأربع والعشرين القادمة، من المرتقب أن يعقد مجلس الأمن القومي الإيراني اجتماعًا بالغ الأهمية لبحث المقترح الأوروبي المتعلق بتمديد الاتفاق النووي. وقال: السؤال المطروح الآن: هل ستقبل طهران هذا المقترح أم سترفضه؟ هذا ما سيُحسم خلال اجتماع المجلس. وقبل يوم الثلاثاء، موعد اللقاء الإيراني–الأوروبي، سيكون القرار قد اتُّخذ، وستُعطى التعليمات لوزير الخارجية عباس عراقجي، الذي سيحمل الرد الرسمي وينقله إلى الجانب الأوروبي خلال الاجتماع.”
ورجّح غروي أن يقرّر الجانب الإيراني الموافقة على تمديد الاتفاق لمدة ستة أشهر، وذلك لمنح فرصة أمام المفاوضات والعمل الدبلوماسي، ولتجنّب التصعيد بين الطرفين، الإيراني والغربي. ونبّه الى أنّ التحرك نحو تفعيل آلية الزناد سيُغضب الإيرانيين بشدّة، وقد يدفعهم إلى استخدام الأوراق التي هدّدوا بها مرارًا في السابق. واحدة من هذه الأوراق هي الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، وأخرى تشمل التصعيد في المنطقة، مثل إغلاق مضيق هرمز. إضافة إلى ذلك، هناك احتمال تعديل إيران لعقيدتها النووية، وهو ما قد يشكل تصعيدًا خطيرًا على الصعيد الإقليمي والدولي.
وبناء عليه، أكّد غروي أن الأيام المقبلة ستكون مفصلية في ما يتعلق بقبول إيران للمقترح الأوروبي من عدمه، لافتًا الى أن الجميع يترقّب اجتماع مجلس الأمن القومي الإيراني لبناء الصورة واتخاذ المواقف بناءً على ما سيُقرّ هناك. كما ننتظر تصريحات إيران، وكذلك المواقف الأميركية والغربية يوم الثلاثاء، لمعرفة إلى أين تتجه الأمور في المنطقة، لأن هذه الاجتماعات قد تغيّر مصير المنطقة وتعيد تشكيل الاستراتيجيات فيها.
وختم غروي بالقول إننا اليوم أمام أيام وأسابيع وربما أشهر حاسمة لمستقبل هذه المنطقة، وكلنا أمل أن تُستعاد حقوق الجمهورية الإسلامية ويرفع الظلم عن الشعب الإيراني والمنطقة عموماً، وأن تنتقل المنطقة إلى مرحلة من السلام والهدوء. لكن إذا أصرّت الولايات المتحدة على شروطها المذلّة، كما أكد السيد القائد اليوم(المرشد الأعلى)، فإن إيران ليست شعباً يستسلم لهذه الشروط أو يقبل أن يكون تحت أوامر أميركية. وفي هذه الحالة، من المتوقع أن تقبل إيران بكل ما لا يذلها، وتفرض ما يعزّ الإيرانيين والشعوب والمقاومات في المنطقة.