في بلد يُحمِّل ضحاياه كلفة الكارثة، تبدو المصارف اللبنانية كأنها فوق المحاسبة. فعلى الرغم من الأرباح الخيالية التي راكمتها لعقود، ومن شراكتها الصامتة في سياسات نقدية ومالية أوصلت الاقتصاد إلى الانهيار، لا تزال ترفض الاعتراف بالخسائر، وتتهرّب من أي دور في تسديد الفاتورة. وبينما يطرح مشروع قانون الفجوة المالية كأداة لتوزيع الخسائر، يتّضح أكثر فأكثر أنه يأتي في إطار تسوية تُساوي بين المسؤول والمتضرر، وتُمهّد لتكريس واقع غير عادل.
الصيغة الحالية للقانون لا تُعيد الهيكلة ولا تضمن الإنصاف. بل تعيد إنتاج المنظومة نفسها، حيث ينجو الفاعل الأساسي – أي المصارف – من المحاسبة، ويُطلب من المودعين أن يتحملوا وحدهم تبعات أزمة لم يصنعوها. فهل يشكّل القانون فعلًا خطوة نحو الحل؟ أم أنه محاولة لدفن الحقيقة خلف أرقام وسندات ووعود طويلة الأجل؟
“المدى” سألت الخبير المالي وليد أبو سليمان عن رأيه في الصيغة النهائية لمشروع قانون الفجوة المالية، وما إذا كانت تحقق الحد الأدنى من العدالة للمودعين؟ فأجاب: الصيغة الحالية تُنظّم إدارة الخسائر، لكنها لا تُحقق عدالة حقيقية للمودعين. فالقانون لا ينطلق من مبدأ توزيع الخسائر بشكل واضح ووفق تسلسل المسؤوليات، كما أنه لا يحسم أولاً مصير رساميل المصارف ومساهميها قبل التوجّه إلى ودائع الناس. وهذا يُضعف من عدالته، ويُبقي المودعين في موقع المظلوم والمتضرر الأكبر من الانهيار.
وعن مدى قدرة القانون على إرساء عملية إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي، اعتبر أبو سليمان أن ما يجري لا يرقى إلى مستوى الهيكلة الشاملة، بل هو أقرب إلى تسوية محاسبية مؤقتة تُنظّم الأزمة مرحليًا دون معالجة جذرية. فإعادة الهيكلة الجدية تتطلّب شطبًا كاملًا لرساميل المصارف المتعثّرة، ورسملة فورية لتلك القادرة على الاستمرار، والسماح بخروج غير القابلة للحياة من السوق.
أما بشأن شطب “الودائع غير المنتظمة”، فشدّد على أن هذا الإجراء دقيق وحسّاس قانونيًا، ويجب أن يكون مبنيًا على معايير واضحة وموضوعية، مع ضرورة توافر أدلة تثبت الطابع غير النظامي لتلك الودائع، وضمان حق أصحابها في الدفاع والطعن أمام القضاء. وإلا، فإن أي شطب اعتباطي سيعرّض القانون للطعن، ويفتح الباب أمام قرارات استنسابية تُهدّد مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون.
وهل ربط السندات المصرفية بالذهب يحمي الودائع التي تفوق 100 ألف دولار؟ أجاب أبو سليمان: الربط بالذهب قد يوفّر طمأنينة شكلية، لكنه لا يشكّل حماية فعلية ما لم يُحدَّد إطار قانوني دقيق لكيفية استخدام الذهب، وضوابط التسييل، وأولوية الحقوق. من دون ذلك، يبقى هذا الربط مجرّد ضمان نظري.
وعن أسباب غياب آلية محاسبة واضحة في القانون، قال: لأن المشروع ركّز أساسًا على إدارة الخسائر، وليس على تحديد المسؤوليات. وغالبًا ما تمّ تفادي إدراج محاسبة صريحة، لتجنّب تعقيدات سياسية وقضائية، ما أضعف من صدقيته.
وهل يؤثر غياب المحاسبة على ثقة الناس؟ أجاب: بالتأكيد. من دون محاسبة، يُنظر إلى أي قانون أو إصلاح على أنه مجرد ترحيل للأزمة لا حلّ لها، ما يفاقم فقدان الثقة لدى المواطنين والمستثمرين في آنٍ معًا.
اما عن أهمية التدقيق الجنائي والمحاسبي في المرحلة الحالية، فشدد أبو سليمان على أن “التدقيق أساسي لتحديد الحجم الحقيقي للخسائر ولمعرفة المسؤوليات بدقة. من دونه، تبقى كل الحلول المقترحة قائمة على تقديرات غير مكتملة، وبالتالي يصعب الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة تنصف المودعين وتعيد الثقة بالنظام المالي.”
وأكد أبو سليمان أن القانون بمفرده لا يكفي لإعادة الثقة وانعاش الاقتصاد؟ ، فالثقة برأيه تُبنى على وضوح كامل في حجم الخسائر، وعلى وجود نظام مصرفي سليم وسياسات اقتصادية واضحة ومتماسكة. ما لدينا حاليًا هو خطوة إدارية ضرورية، لكنها ليست كفيلة بتحريك عجلة النمو الاقتصادي أو استعادة الثقة”.
أما عن مخاطر استخدام الذهب لضمان السندات، فشدّد أبو سليمان على أن “الخطر الأكبر هو تسييس هذا الأصل الاستراتيجي أو استخدامه بطريقة غير منضبطة. أي تصرّف غير محسوب بالذهب قد يُقوّض الاستقرار النقدي، ويُضعف الثقة بالليرة وبالأسواق المالية، خاصة في ظل الوضع الحرج الحالي”.
وهل يكفي القانون لفتح باب التفاوض الجدي مع صندوق النقد الدولي؟ أجاب أبو سليمان: “لا، القانون هو مجرد عنصر من بين مجموعة عناصر مطلوبة. المطلوب حزمة إصلاحية متكاملة تشمل إصلاحات مالية، مصرفية، ونقدية، إضافة إلى حوكمة فعلية وإجراءات محاسبية شفافة. من دون ذلك، لا يمكن الحديث عن تفاوض جدّي أو عن دعم خارجي مستدام”.
ولماذا لم تتحمّل المصارف مسؤولية فعلية عن الفجوة المالية؟ قال: “لأن القانون لا يفرض بوضوح تحميل الخسائر للمساهمين في المصارف كأولوية، بل يترك مساحة لتخفيف أثر الخسائر عنهم، ما يعني عمليًا نقل جزء كبير من العبء إلى المودعين. وهذا خلل جوهري في منطق العدالة وتوزيع المسؤوليات.”
وأين كانت المصارف خلال فترة الهندسات المالية وتثبيت سعر الصرف؟ أكد أبو سليمان أن المصارف كانت شريكة في تلك السياسات، سواء بالصمت أو بالاستفادة المباشرة، حيث حققت أرباحًا مرتفعة وغير طبيعية. لذلك، من غير المقبول اليوم أن تُقدّم نفسها كضحية فقط.
وعن عدم مبادرة المصارف إلى وضع خطة عادلة منذ بداية الأزمة؟ أوضح أن أي خطة عادلة كانت ستتطلّب شطب الرساميل والاعتراف بالخسائر مبكرًا، وهو ما حاولت المصارف بكل الوسائل تجنّبه لحماية مصالح المساهمين.
وكيف يمكن تبرير الفوائد المرتفعة التي دُفعت قبل 2019؟ شدّد أبو سليمان على أن تلك الفوائد لم تكن مستدامة، بل مموّلة من مخاطر متراكمة، وليست ناتجة عن نشاط اقتصادي فعلي، ما ساهم في تضخيم الفجوة المالية وسرّع الانهيار لاحقًا.
وهل من المنطقي أن تطالب المصارف اليوم بحقوقها كاملة؟ أجاب: بالتأكيد لا. منطق إعادة الهيكلة يفرض أن يتحمّل المساهم والدائن المخاطر أولًا، قبل المساس بحقوق المودعين، لا العكس.
و على أي أساس تطلب المصارف إعفاءها من المسؤولية؟ قال: لا يوجد أي أساس قانوني أو أخلاقي لذلك، طالما أنها استفادت من النظام وشاركت في تمويل العجز العام مقابل أرباح مجزية.
ورأى ابو سليمان أن رفض المصارف أو عرقلتها للتدقيق المالي الشامل يضعف صدقيتها، لأن الشفافية هي الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة وإثبات الجدية في الإصلاح.