شهد العالم تحوّلًا لافتًا في الخطاب الأميركي تجاه روسيا، خصوصًا بعد غزو فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة. لم يتردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إطلاق تهديدات مباشرة طالت قادة دول كبرى، وعلى رأسهم فلاديمير بوتين، في خطوة تعيد إحياء ملامح الهيمنة الأحادية التي تطبع السياسة الخارجية الأميركية.
لكن روسيا، بقوتها النووية وترسانتها العسكرية، ليست ساحة متاحة للابتزاز أو التجارب. فبوتين، رجل الاستخبارات السابق، يتزعم دولة تملك قدرة ردع حقيقية وأجهزة أمنية يصعب اختراقها. والسؤال المطروح: هل يمتلك ترامب أو غيره الجرأة الحقيقية لتهديد موسكو؟ أم أن هذه التصريحات مجرد مناورة انتخابية؟ وهل نشهد بداية تصعيد جديد يعيد أجواء الحرب الباردة؟
المحلل المتخصص في الشؤون الروسية والسياسات الدولية، سعيد طانيوس، والمقيم في موسكو، أكد أن ترامب، “ورغم فائض الحماقة الذي يتّصف به، لا يجرؤ حتى على مجرد التفكير في الاعتداء على روسيا أو على الرئيس بوتين. ليس ذلك حبًا بروسيا أو إعجابًا برئيسها، بل لأنه يدرك جيدًا أن روسيا دولة نووية، تملك جيشًا قويًا وأجهزة استخباراتية بالغة الكفاءة، قادرة على الردّ بشكل صاعق ومدمّر”.
وقال: “تصريحات ترامب لا تعدو كونها “ذرًا للرماد في العيون”، فالرئيس الأميركي، المعروف بخلفيته التجارية ونزعته الانتهازية، يدرك تمامًا من أين تؤكل الكتف، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وأعتقد جازمًا أن تصريحاته لا تعبّر عن نية حقيقية للتصعيد مع روسيا، بل تأتي في إطار الضغط السياسي والترويج الانتخابي لصالح الحزب الجمهوري ومرشحيه، وترامب أصغر بكثير من أن يهدد بوتين أو روسيا بشكل فعلي، هو يعرف تمامًا من يواجه، ويتجنّب التصعيد مع الدول القوية والنووية. لقد رأيناه حتى في تعامله مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، حيث لم يجرؤ على تهديده مباشرة، فكيف له أن يواجه بوتين أو شي جين بينغ”؟
وتابع: “ترامب رجل صفقات، يرى السياسة بمنطق السوق والتبادل والمساومة، وليس بمنطق الصدام. ولهذا، فإن تهديداته لبوتين ليست سوى كلام للاستهلاك الإعلامي، بهدف رفع العتب وكسب مزيد من التأييد الداخلي، من دون أن تكون لها أي خلفية استراتيجية حقيقية أو نية فعلية للمواجهة”.
وأكد طانيوس أن بوتين “قائد دولة عظمى تمتلك أقوى ترسانة نووية في العالم، وتتولى حمايته أجهزة استخباراتية نخبوية، وعلى رأسها فرقة (ألفا)، التي تُعد رأس الحربة في المنظومة الأمنية الروسية. هذا إلى جانب خلفيته الشخصية كرجل استخبارات سابق، ما يجعله شديد الحذر في تحركاته، ومحاطًا بعقول أمنية بالغة الكفاءة. ولهذا، فإن تهديدات ترامب خاوية من أي مضمون فعلي. فلا الولايات المتحدة كدولة، ولا ترامب كشخص، قادران على التعامل مع بوتين بالطريقة نفسها التي تعاملوا بها مع مادورو”.
وذكّر بأن روسيا “تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية كافية وزائدة لمواجهة أي سيناريو مشابه، وهي مستعدة للردّ بقوة مضاعفة إذا ما تم مجرد التفكير بمحاولة من هذا النوع. فبوتين سبق أن واجه تحديات أمنية حقيقية، كما في حرب الشيشان بين عامي 2000 و2003، حين تعرّضت موسكو لتهديدات باستخدام طائرات مسيّرة، بل حتى الكرملين نفسه وُضع في دائرة الاستهداف. ومع ذلك، فإن هذا الصرح محصّن بمنظومات دفاع جوي لا تسمح حتى للعصافير بالتحليق فوقه، فكيف بعناصر استخباراتية معادية؟ أضف إلى ذلك أن أجهزة مكافحة التجسس الروسية تفرض رقابة صارمة لا تسمح للاستخبارات الأميركية بالتحرك داخل الأراضي الروسية، كما فعلت سابقاً في دول مثل فنزويلا أو إيران. من هنا، فإن فكرة تنفيذ مخطط أميركي ضد بوتين أو الدولة الروسية ليست فقط ضرباً من الخيال، بل مستحيلة عملياً. والتاريخ، خاصة في زمن الحرب الباردة، أثبت أن روسيا لم تكن يوماً ساحة مكشوفة أمام خصومها”.
ووصف طانيوس النهج الأميركي تجاه الدول الرافضة للهيمنة، مثل فنزويلا وإيران، بأنه “عدوان صريح ينسجم مع ما وصفه فلاديمير إيليتش لينين بالإمبريالية، كأعلى مراحل الرأسمالية. في هذه المرحلة، يؤدي احتكار المال والتنافس على الموارد إلى حروب مستمرة وإعادة تقسيم العالم بالقوة. فهذه الدول تُستهدف لمجرد سعيها لحماية مصالحها الوطنية، في ظل نظام عالمي لا يعترف إلا بمنطق السيطرة. ويحمل السلوك الأميركي رسالتين: الأولى داخلية، تسعى لإسقاط الدولة وإشاعة الفوضى؛ والثانية خارجية، مفادها أن رفض الخضوع للنفوذ الأميركي يُعدّ جريمة تُعاقب بالقوة. وواشنطن تعيد تصنيف الدول المعارضة إلى ساحة خلفية تُدار بالضغوط والانقلابات، ولم تعد تتوارى خلف شعارات كنشر الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل بات خطابها علنيًا وفجًا في التعبير عن أطماعها”.
وقال: “ترامب أعلن بصراحة غير مسبوقة، أن الهدف المباشر من التدخل في فنزويلا هو تأمين عودة الشركات النفطية الأميركية، بهدف تحقيق الأرباح وتعظيم المصالح الاقتصادية. بل ذهب أبعد من ذلك، حين أشار إلى أن بلاده ستتولى فعليًا إدارة فنزويلا، في تأكيد واضح على نوايا نهب ثرواتها والسيطرة على مقدراتها. ولم تقتصر تهديداته على فنزويلا، بل شملت دولًا أخرى، وفي مقدمتها إيران، حيث لمّح ترامب إلى احتمال توجيه ضربات عسكرية مباشرة إذا اقتضت مصالح أميركا ذلك. وتهديداته تعكس نهجًا استعلائيًا يرى أن من حقه الاستحواذ على ثروات الآخرين، حتى بالقوة، إذا لم تُمنح له طوعًا أو بالمجان. لقد تظاهر بأنه صانع سلام ومنهي للحروب، لكن ادّعاءه سرعان ما تهاوى، لأن حبل الكذب قصير. فاليوم، يبدو في موقع عدواني وشرس، لا تجاه خصومه فحسب، بل حتى تجاه حلفائه، ولا سيما في أوروبا. ومطالبته بامتلاك جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك وهي دولة عضو في “الناتو” وموالية للولايات المتحدة شكّلت دليلًا صارخًا على الذهنية الإمبريالية التي تحكم السياسة الخارجية الأميركية. فترامب، في هذا السياق، ليس سوى تجسيد شخصي لإمبريالية متوحشة، تسعى إلى نهب ثروات العالم وفرض هيمنتها بالقوة. وهذا النهج، بطبيعته، لا يقتصر على إدارة واحدة، بل ينبع من عمق الدولة الأميركية ومؤسساتها. وما فعله ترامب مؤخرًا في فنزويلا ليس بالأمر الجديد، بل امتداد لسجل طويل من التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية، أبرزها الانقلاب الدموي الذي دعمته واشنطن في تشيلي عام 1973، وأدى إلى قتل الرئيس الشرعي سلفادور ألليندي داخل قصره على يد جنرال موالٍ لها.واليوم، ومع غياب الاتحاد السوفياتي وانعدام التوازن الدولي الذي شكّله سابقًا، أصبح النهج الأميركي أكثر وقاحة وجرأة ووحشية، في ظل غياب قوة قادرة على ردع واشنطن أو فرض حدود على تغوّلها العالمي”.
ورغم التباينات العميقة بين واشنطن وموسكو، تبقى الدولتان محكومتين بالتنسيق، باعتبارهما قوتين نديّتين، إذ يرتبط مستقبل الأمن العالمي، وخصوصًا ملف التسلح النووي، بطبيعة العلاقة بينهما، بحسب طانيوس، واستئناف العلاقات بينهما بات ضرورة لا مفر منها، سياسيًا قبل اقتصاديًا، خاصة بعد انسحاب واشنطن من اتفاقيات محورية كـ”ستارت”. فترك التسلح دون ضوابط ينذر بانهيار منظومة الأمن الدولية، ويفتح الباب أمام سباق تسلح خطير. من هذا المنطلق، تدفع واشنطن باتجاه تسوية للأزمة الأوكرانية، ليس بدافع إنساني، بل للتركيز على مواجهة الصين، فيما تحرّكات ترامب تعكس توجّه “الدولة العميقة” نحو فصل موسكو عن بكين أو تحييدها، تمهيدًا لصدام استراتيجي مرتقب مع الصين.
وجدّد طانيوس حديثه عن احتمالية التوصل إلى تسوية أو اتفاق سلام بين روسيا والغرب الجماعي خلال الصيف المقبل، معتبرًا أن الحرب الدائرة على الأراضي الأوكرانية لم تعد مجرّد صراع ثنائي بين موسكو وكييف، بل تحوّلت مواجهة شاملة بين روسيا من جهة، والغرب بقيادة اميركا من جهة أخرى. فالحرب استنفدت أهدافها ومراحلها الكبرى، وبات السلام آتيًا لا محالة، عاجلًا أم آجلًا. وأقدّر أن التسوية ستُنجز هذا الصيف، رغم ما قد تواجهه من اعتراضات أميركية متوقعة. لكن من المهم إدراك أن واشنطن تتحرك انطلاقًا من حساباتها الاستراتيجية الخاصة، وعلى رأسها ضرورة التفرغ لمواجهة صعود الصين المتسارع. فتعزيز التحالف الروسي–الصيني يُمثّل تهديدًا مباشرًا لدورها في منطقتَي المحيطين الهندي والهادئ”.
ولا تقف الصين موقف الحياد في التصعيد الدولي، بل تبني قوتها تحضيرًا لمواجهة محتملة مع واشنطن، مدعومة بتحالفها مع روسيا ضمن تكتلات كـ”بريكس”. وتراهن على تفوقها الاقتصادي في مواجهة النفوذ الأميركي، خصوصًا في ملف تايوان. وبحسب طانيوس، تقف بكين إلى جانب الدول المستضعفة، مدركة أنها مستهدفة بسياسات حصار وهجمات منهجية، لذا تراقب المشهد بحذر وتؤجّل المواجهة حتى تكتمل جاهزيتها.