على اعتاب العام الجديد، دار بيني وبين صديقٍ طبيب، منذ أيام، حوارٌ لم يكن عادياً. لم يكن نقاشاً سياسياً ولا تقييما آنياً للأزمة، بل عودةً موجعة إلى الذاكرة، إلى زمنٍ كان فيه لبنان مختلفاً… لا بالشعارات، بل بالوقائع.
استحضرنا لبنان عام 1969، في زمنٍ كان فيه الطب رسالة، والعلم قيمة، والإنسان محور السياسات. يومها، كان لبنان يُقدَّم كنموذج: دولة صغيرة، لكنها نابضة بالمبادرة، بالمعرفة، وبالثقة بالنفس. لم يكن أحد يتحدث عن “النجاة” أو “الصمود”، بل عن التقدّم، وعن دورٍ إقليمي ودولي يُبنى بهدوء.
لم يكن هذا توصيفاً شعرياً، بل تشخيصاً لبلدٍ كان يعرف ماذا يريد، وكيف يستخدم العلم والمعرفة ليصنع مستقبله. لبنان يومها لم يكن يطلب الشفقة، بل كان يُقدَّم كنموذجٍ قادر على المنافسة.
ثم قال لي صديقي جملة لا تزال ترنّ في أذني:
في عام 1973، عملنا مع مؤسسات دولية، وبعضها أجرى دراسات اقتصادية جدّية عن لبنان. يومها قيل لنا بوضوح: إذا استمر لبنان على الوتيرة نفسها، فإنه بحلول عام 2000 سيصل إلى مستوى دول مثل هولندا.
هولندا لم تكن حلماً، بل نتيجة طبيعية لمسارٍ كان قائماً فعلاً.
وهنا تحديداً تسلّلت الحسرة. ليس فقط لأننا لم نصل، بل لأننا انحرفنا بالكامل عن الطريق. لم نتعلّم من صراعاتنا الداخلية، ولم ندرك كلفة الانقسام، ولا كم دمّرنا بأيدينا ما كان يمكن أن يكون قصة نجاح استثنائية.
والأخطر أننا، بعد كل هذا الانهيار، ما زلنا أسرى العقلية نفسها:
العقلية التي تظن أن الاقتصاد يُدار بالشعارات، وأن الزمن يمكن أن يعود إلى الوراء، وأن الإجراءات نفسها التي خنقت النمو يمكن أن تنتج ازدهاراً.
ما نريده اليوم ليس خطابات جديدة، بل أن يمتلك مسؤولونا الـ know-how الحقيقي. أن يفهموا أن الاقتصاد لا يُبنى بالعقلية التي كانت سائدة، ولا بالترقيع، ولا بحماية الاحتكارات، ولا بقوانين وُضعت لمنع المنافسة لا لتنظيمها. نحتاج إلى مواقف شجاعة تعيد الاعتبار للابتكار، وتُخرجنا من الحلقة المفرغة التي ندور فيها منذ عقود.
نحتاج إلى إعادة كتابة الإجراءات، كسر الاحتكارات، اقتلاع القوانين التي تعرقل الاستثمار والإنتاج، وفتح المجال أمام المبادرة الفردية والمؤسساتية، بعيداً عن منطق الحماية والزبائنية والخوف من التغيير. عندها فقط يصبح الحديث عن النهوض جدّياً، لا وهماً.
استذكار عام 1969 ليس نوستالجيا، بل تذكير صارم بأن لبنان لم يكن صدفة، وأن ما امتلكه يوماً لم يكن وهماً. هذا البلد لا يزال يملك مقومات هائلة، لكن الفرق بين الأمس واليوم هو المعرفة بالمسار والجرأة في اتخاذ القرار.
حين نملك الـ know-how، ونجرؤ على كسر الحلقة، يمكننا عندها فقط أن نتحدث عن إعادة عصر ذهب.. لا كنسخة عن الماضي، بل كمستقبلٍ يستحقه لبنان.