تقف المنطقة اليوم عند مفترق حساس بين التصعيد العسكري والرسائل الدبلوماسية، مع تقدم القنوات التفاوضية غير المعلنة ببطء، وسط احتمالات خطِرة. فقد شهدت طهران زيارة وزير الخارجية ورئيس الوزراء القطري حاملين رسالة أميركية، فجاء الرد الإيراني: استعداد لتبديد الهواجس النووية ضمن الشفافية الدولية، مع التمسك بخطوط حمراء سيادية ودفاعية.
إيران تجمع بين الانفتاح الدبلوماسي والجهوزية العسكرية، مؤكدة أن أي تصعيد واسع سيواجه برد شامل، مع أسماء بديلة لضمان الاستمرارية. المعادلة اليوم: تفاوض هشّ يحيط به مخاطر الانفجار، وخطأ واحد قد يشعل مواجهة لا يمكن احتواؤها.
ومن ايران، أكد الخبير في الشؤون الإقليمية والدولية حكم أمهز أن كل الاحتمالات لا تزال مفتوحة حتى الآن، إلا أن مؤشرات تراجع خيار الحرب بدأت تتقدّم على غيرها. فهناك اتصالات قائمة بين الطرفين عبر وسطاء، إضافة إلى بحث جدي في وضع إطار أو هيكل واضح لمفاوضات محتملة، على أن تكون مثمرة، وتتضمّن ضمانات والتزامات أميركية بعدم تكرار انسحاب 2015.
وبحسب معطيات أمهز، نقل رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، خلال زيارته الأخيرة إلى طهران، رسائل شفهية من واشنطن إلى المسؤولين الإيرانيين، وقد ردّت طهران على هذه الرسائل، مؤكدة استعدادها لتبديد الهواجس الأميركية والغربية حيال برنامجها النووي، لكن من دون القبول بإلغائه أو وقف التخصيب بالكامل أو منع التخصيب بنسب معيّنة.
أما الجمع الأميركي بين التفاوض والتلويح بالقوة فيندرج ضمن منطق الصفقات القائم على الضغط لانتزاع أكبر قدر من المكاسب. غير أن هذا الرهان يبقى محفوفاً بالمخاطر، إذ لا يُتوقّع أن تقدّم إيران تنازلات مهما بلغت الكلفة، في ظل تصاعد أصوات داخلية تدعو إلى خيارات أكثر تشدداً.
ولفت أمهز الى أن ترامب لم يحدّد بدقّة من هم الحلفاء الذين يقصدهم، هل إسرائيل أم الدول العربية. غير أن الدول العربية أعلنت مواقف رسمية واضحة، وتعمل بجدية كبيرة على منع أي تصعيد في المنطقة، لأن أي حرب لن تبقى محصورة، بل ستطال شرارتها دول الإقليم كافة، بينما المستفيد المباشر الوحيد هو نتنياهو. وقد شهدنا أخيرا تبايناً ملحوظاً بين موقفي ترامب ونتنياهو في أكثر من ملف، ولا سيما في قضيتي غزة وإيران. وهذا قد يشير إلى أن ترامب يقدّم مصلحة بلاده على المصلحة الإسرائيلية، منطلقاً من شعار “أميركا أولاً”. غير أن هذا السلوك لا يرتبط فقط بقناعاته الشخصية، بل تفرضه أيضاً حسابات الدولة العميقة في الولايات المتحدة، التي تدرك المصالح الأميركية بدقة أكبر، وبصورة أعمق من أي اعتبارات إسرائيلية.
وقال: أي مواجهة في المنطقة ستكون في جوهرها دفاعاً عن إسرائيل لكن ماذا لو تطورت ولم تحقق نتائج إيجابية لواشنطن، بل انعكست عليها سلباً؟ ماذا لو استهدفت إيران القطع البحرية الأميركية في المنطقة، أو أعطبت حاملة طائرات مثلاً؟ إيران تمتلك قدرات صاروخية متقدمة، وأعداد كبيرة ومتطورة من المسيّرات، وقد أقرّ روبيو أمام الكونغرس بأن الأساطيل الأميركية باتت تحت مرمى نيران إيران، إلى جانب وجود ما بين 40 و50 ألف جندي أميركي في المنطقة.
كل ذلك يبعث على مخاوف كبيرة، ويدفع واشنطن إلى حساب خطواتها بدقة شديدة. فأي عدوان سيكون مكلفاً ولن تقتصر تداعياته على الطرفين الأميركي والإيراني، بل ستطال إسرائيل، وقد تشعل المنطقة بأكملها. وهذا أمر بات شبه محسوم، وقد أبلغت إيران دول المنطقة بوضوح أن أي اعتداء ينطلق من قواعد عسكرية أميركية على أراضيها سيجعل تلك القواعد أهدافاً مشروعة.
يضاف إلى ذلك مخاطر اقتصادية هائلة تهدد مشاريع ضخمة في الدول العربية في حال اندلاع حرب شاملة.
ورأى أمهز أنه لا يمكن عزل أي مواجهة إقليمية عن بعدها الدولي، إذ ستكون الصين وروسيا حاضرتين فيها عبر دعم عسكري وتقني لإيران. فاستهداف إيران لا يعني طهران وحدها، بل يطال الصين أيضاً، لأن السيطرة الأميركية عليها تعني التحكم بمصادر نفط حيوية للاقتصاد الصيني. عندها ستجد بكين نفسها أمام خيارين: الرضوخ لضغط واشنطن أو الانزلاق إلى مواجهة كبرى، وإذا أُضعفت الصين اقتصادياً، فستكون روسيا التالية في حسابات واشنطن، وهو ما تدركه موسكو جيداً.
وتفيد معطيات أمهز بأن ايران تلقت منظومات أسلحة متطورة جداً من الصين وروسيا، ولا تزال هذه الإمدادات مستمرة. وهذا عامل إضافي يدفع واشنطن إلى توخي الحذر، لا سيما أن بعض التقنيات الصينية باتت، في مجالات محددة، أكثر تطوراً من نظيرتها الأميركية، وهو ما ظهر في المواجهة العسكرية الأخيرة بين باكستان والهند، حيث حققت الأسلحة الصينية نتائج متقدمة.
واكد أمهز إن إعلان طهران عن إنشاء هيكل للمفاوضات، كما أعلنه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، لا يُعدّ جديداً بحدّ ذاته إذ لطالما أكدت إيران استعدادها للتفاوض بالتوازي مع جهوزيتها لكل الاحتمالات، بما فيها الخيار العسكري. غير أن توقيت الإعلان، المتزامن مع التصعيد القائم، يوحي بوجود تقدّم على المسار التفاوضي.
وفي تعاملها مع تصريحات ترامب، تعتمد طهران مقاربة مزدوجة: افتراض الجدية والانخراط في تفاوض فعلي، مقابل افتراض الخداع والاستعداد الكامل لأي سيناريو. وترى إيران أن أي اتفاق «منصف وعادل» يجب أن يضمن حقها في التخصيب السلمي، والقدرات الدفاعية، والعلاقات الدولية الطبيعية، ورفع العقوبات، مع التمسك بخطوطها الحمراء. ويبقى السؤال الجوهري: هل واشنطن مستعدة للقبول بهذه الشروط؟
ووفق معطيات متوافرة لأمهز، أبلغت إيران وزير الخارجية القطري استعدادها لتبديد الهواجس بشأن برنامجها النووي، مع تعزيز الشفافية والتعاون مع وكالة الطاقة الذرية، بينما شددت على أن هناك ملفات أخرى لا يمكن تجاوزها.
النتيجة: إيران منفتحة على التفاوض، لكنها جاهزة لأي مسار تفرضه التطورات.
اما فرص نجاح المسار التفاوضي اليوم فلا تتوقف على إيران التي أكدت مراراً استعدادها لاتفاق عادل يضمن حقها في برنامج نووي سلمي لأغراض مدنية وفق القانون الدولي، وفق أمهز، بل ترتبط أساساً بمدى استعداد الطرف الأميركي للالتزام بالاتفاق. إيران تؤكد أنها لا تحتاج للسلاح النووي للردع، لاعتبارات استراتيجية ودينية وأخلاقية، وتعتبر قدراتها الصاروخية والدفاعية بديلاً أكثر فاعلية وأقل خطورة. لكن ازدواجية المعايير الدولية وسياسات ترامب تحدّ من فرص التفاوض، لذا تبدو فرص اليوم أفضل من الماضي لكنها تبقى رهناً بالتزام واشنطن باتفاق عادل ومتوازن.
وأكد أمهز أن مضيق هرمز يمثّل إحدى أوراق القوة الأساسية لدى إيران، إذ إن أي توتر عسكري كبير، حتى من دون إغلاق رسمي، كفيل بشل حركة الملاحة وإحداث تأثير سلبي كبير على الاقتصاد العالمي، خصوصاً على الولايات المتحدة.
في المقابل، تأجيل المناورات العسكرية المشتركة مع روسيا والصين يُقرأ كإشارة حسن نية ضمن السياق الدبلوماسي، لكنه في الوقت نفسه يرسّخ موقف روسيا والصين كحليفين لإيران. رغم الطابع السنوي لهذه المناورات، فإن توقيتها وموقعها الجغرافي يمنحها دلالات قوية، خصوصاً مع انتشار الأسطول الأميركي في المنطقة.
المشهد مسار مفتوح لا تهدئة: تفاوض يقود إلى نتائج، أو فشل يفضي إلى تصعيد خطير، فيما الاستنزاف المستمر بات غير قابل للتحمّل إقليمياً ودولياً.
مجموعة سيناريوهات
واذا فشلت القنوات التفاوضية فإننا نكون أمام مجموعة سيناريوهات خطِرة، يغلب عليها الطابع العسكري والأمني. وفق أمهز. السيناريو الأول يتمثل في استمرار الوجود المكثف للأسطول الأميركي في المنطقة، وما يعنيه ذلك من حالة توتر واستنزاف وحصار طويل الأمد .الثاني هو لجوء واشنطن إلى ضربات عسكرية محدودة، لكن في هذه الحالة سيكون رد طهران حتمياً، ومن المرجّح بدرجة كبيرة ألا يقتصر على رد محدود.
أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في ضربة واسعة النطاق ضد إيران، قد تشارك فيها اميركا وإسرائيل وحلفاء آخرون، ما يفتح الباب أمام حرب شاملة. ويضاف إلى ذلك سيناريو “الحرب الهجينة” أو المركبة، التي تشمل هجمات سيبرانية، وضغوطاً أمنية، وتحريك جماعات داخلية، وهي أدوات محسوبة وموجودة على الطاولة.
في الخلاصة، فشل التفاوض يعني الانتقال إلى مسارات عسكرية وأمنية، وقد أعدّت إيران نفسها لكل هذه الاحتمالات، بما فيها أسوأ السيناريوهات، كاستهداف قائد الثورة، لا سمح الله. ورغم أن هذا السيناريو شديد الخطورة وشبه مستحيل، إلا أنه حاضر في الحسابات، وقد جرى التحضير له مؤسساتياً، إذ أعدّ مجلس خبراء القيادة ثلاثة أسماء جاهزة لضمان الاستمرارية في حال وقوع أي طارئ.
وأي اعتداء من هذا النوع سيُنظر إليه كعدوان شامل، وسيقابَل برد شامل لا يقتصر على الساحة الإيرانية فقط. فقائد الثورة ليس مجرد رأس سياسي، بل مرجع ديني يقلّده عشرات الملايين من الشيعة حول العالم، ما يعني أن التداعيات قد تتخذ أشكالاً واسعة وغير مركزية، بما فيها ردود فعل فردية وغير تنظيمية ضد المصالح الأميركية.
ومن هنا، يصعب الاعتقاد أن واشنطن مستعدة لتحمّل كلفة سيناريو بهذا الحجم والخطورة.