قال باحث في تقنية المعاملات الرقمية (بلوك تشين) لرويترز إن محققين أميركيين يبحثون في ما إذا كانت منصات معينة للعملات المشفرة قد سهلت تهرب مسؤولين إيرانيين من العقوبات، في ظل وجود طفرة بنشاط العملات المشفرة في الجمهورية الإسلامية.
ووفقا لتقديرات مختبرات تي.آر.إم وشركة تشيناليسيس، قُدر حجم المعاملات المشفرة في إيران بما بين ثمانية إلى عشرة مليارات دولار العام الماضي بعدما تحولت كل من الجماعات المرتبطة بالدولة والمستثمرون الأفراد إلى العملات الرقمية.
وقال آري ريدبورد رئيس قسم السياسات في مختبرات تي.آر.إم لتحليل البلوك تشين، ومقرها الولايات المتحدة، إن وزارة الخزانة الأميركية تبحث حاليا فيما إذا كانت منصات التشفير قد مكنت الجهات المرتبطة بالحكومة الإيرانية من التهرب من العقوبات في مساعيها لتحويل أموال إلى الخارج أو الحصول على عملات صعبة أو شراء سلع. وذكر أنه على علم مباشر بمخاوف وزارة الخزانة.
وأحال متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية رويترز إلى بيان صدر في أيلول وأعلنت فيه الوزارة عن الإجراءات التي تتخذها ضد شبكات “بنوك الظل” التي تدعم إيران، ومن بينها مصارف قالت إنها تستخدم العملات المشفرة للتحايل على العقوبات.
ولم يحدد ريدبورد أي منصات للعملات المشفرة تخضع للتحقيق أو مكان وجودها.
وتقدر مختبرات تي.آر.إم حجم نشاط العملات المشفرة في إيران العام الماضي بحوالي عشرة مليارات دولار مقابل 11.4 مليار دولار في عام 2024.
وقالت تشيناليسيس، وهي شركة لتحليل البلوك تشين، إن المحافظ الإيرانية تلقت 7.8 مليار دولار في عام 2025 صعودا من 7.4 مليار دولار في عام 2024 و3.17 مليار دولار في عام 2023.
وأوضح صندوق النقد الدولي إن العملات المشفرة لا تزال جزءا صغيرا من النظام المالي العالمي، لكن من المتوقع أن يزداد استخدامها في الأسواق الناشئة التي تعاني من تراجع قيمة عملاتها.
وقال توم كيتينغ مدير مركز التمويل والأمن في معهد رويال يونايتد سيرفيسز البريطاني للأبحاث “كلما زادت الضغوط على الاقتصاد الإيراني، كلما كان الاستعداد للتعامل مع العواقب بطرق أفضل، من بينها التوسع في استخدام العملات المشفرة”.
وتبقى عناوين محافظ العملات الرقمية مجهولة المصدر، إذ تسجل على البلوك تشين كسلسلة من الأحرف والأرقام، مما يصعب تحديد هوية أصحاب هذه المعاملات أو مواقعهم. ويقدر باحثون نشاط العملات الرقمية باستخدام مصادر بيانات تشمل حركة المرور على الإنترنت وعناوين المحافظ التي تحددها دول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارها مرتبطة بكيانات خاضعة للعقوبات.
وقال باحثون إن الحصول على صورة كاملة لاستخدام العملات المشفرة في إيران يكاد يكون مستحيلا. وفي الواقع، تتباين التقديرات المتعلقة بتوزيع أحجام التداول بين الجهات الحكومية والأفراد بشكل كبير.
وتقدر تشيناليسيس أن 50 بالمئة من أحجام التداول الإيرانية العام الماضي كانت مرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي.
وفي المقابل، تقدر تي.أر.إم لابس المعنية بتقنية البلوك تشين أن 95 بالمئة من التدفقات المرتبطة بإيران تأتي من مستثمرين فرادى. ومع ذلك، تقول الشركة إنها حددت أكثر من خمسة آلاف عنوان تصفها بأنها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وتقدر أن الحرس نقلوا عملات مشفرة بقيمة ثلاثة مليارات دولار منذ 2023.
وقالت شركة الأبحاث البريطانية المتخصصة في تقنية البلوك تشين “إليبتيك” الشهر الماضي إن البنك المركزي الإيراني، الذي يخضع مثله مثل الحرس الثوري الإيراني للعقوبات الاقتصادية الدولية، حصل على ما لا يقل عن 507 ملايين دولار من العملة المستقرة يو.إس.دي.تي في عام 2025، في ما وصفته الشركة “باستراتيجية متطورة لتجاوز النظام المصرفي العالمي”.
وأكدت شركة “تيثر”، التي تصدر عملة يو.إس.دي.تي، إنها تحافظ على “سياسة عدم التسامح مطلقا مع استخدام عملاتنا الرقمية في أنشطة إجرامية”، وإنها تعمل عن كثب مع وكالات إنفاذ القانون لتحديد وتجميد الأصول المرتبطة بأنشطة غير قانونية.
وأوضح آندرو فيرمان رئيس استخبارات الأمن القومي في تشيناليسيس، إنه عندما يتم تحديد محفظة عملة مشفرة أو فرض عقوبات عليها علنا، يمكن للمالكين بسهولة إنشاء محافظ جديدة لاستخدامها بدلا منها، مما يعقد مهمة السلطات الأميركية.
وقال كيتينغ إن حجم التحدي الذي يواجه السلطات الأمريكية هائل. وأضاف “يتطلب الأمر موارد كبيرة لإجراء عمليات تتبع البلوك تشين وما إلى ذلك، لإصدار العقوبات.
في غضون ذلك،ذكر باحثون لرويترز إن الإيرانيين ربما يضطرون إلى شراء العملات المشفرة بسبب الانخفاض السريع في قيمة الريال. وأضافوا، مستشهدين بنشاط منصات التداول الإيرانية، أن نشاط العملات المشفرة زاد بشكل كبير خلال فترات عدم الاستقرار الاجتماعي والجيوسياسي العام الماضي، بما في ذلك خلال أحدث الاحتجاجات، إلى أن حجبت الحكومة الإنترنت في الثامن من يناير كانون الثاني.
وقالت شركة نوبيتكس، أكبر منصة إيرانية لصرف العملات المشفرة، لرويترز مستندة إلى تقديرات القطاع إن نحو 15 مليون إيراني يمتلكون أو يستخدمون أصولا رقمية. وأضافت أن عدد عملائها يبلغ 11 مليون عميل، وأن غالبية النشاط يأتي من المستثمرين الأفراد وصغار المستثمرين.
وذكرت الشركة في رسالة بالبريد الإلكتروني “تأتي العملات المشفرة في المقام الأول بالنسبة للعديد من العملاء كوسيلة لحفظ القيمة في ظل الانخفاض المستمر في قيمة العملة المحلية”.
ويقول باحثون في البلوك تشين وخبراء ماليون إن الإيرانيين بوسعهم تحويل الأموال من منصات التداول المحلية إلى محافظ ومنصات موجودة في أماكن أخرى.
وقالت منصة نانسن المتخصصة في مجال تقنية البلوك تشين ومقرها في سنغافورة إن عددا من الإيرانيين سحبوا أموال من حساباتهم في نوبيتكس عام 2025، بعد انخفاض حاد في أرصدة العملات المشفرة الرئيسية عن ذروتها في منتصف العام.
وكانت نوبيتكس تعرضت لهجوم من مجموعة قرصنة معادية لإيران في حزيران من العام الماضي.
وأوضحت منصة نانسن أنها حددت مئات الآلاف من الدولارات من العملات المشفرة التي جرى تحويلها من نوبيتكس إلى منصات دولية لتداول العملات المشفرة.
وقال المحلل نيكولاي سوندرجار “لم تغادر هذه الأموال سوق العملات المشفرة ببساطة، بل حُولت بشكل مكثف إلى منصات التداول الدولية. بشكل عام، تشير البيانات إلى أن العملات المشفرة في إيران مثلت مسار خروج بطيء وهيكلي طوال عام 2025”.
وذكرت نوبيتكس أن عددا من عملائها ربما يستخدمون العملات الرقمية لتحويل الأموال دوليا، لكنها لا تراقب وجهة هذه التحويلات أو الغرض منها. وأكدت الشركة أنها توفر حماية لأصول المستخدمين عبر مراقبة صارمة للنشاط، بما في ذلك عمليات تدقيق لتحديد المعاملات المشبوهة المحتملة. وأضافت أنها تتفهم شعور عدد من المستخدمين بالقلق حيال سلامة أصولهم بعد عملية الاختراق التي وقعت في يونيو حزيران الماضي.
وأضافت نوبيتكس “في كثير من الحالات، يحول المستخدمون الأصول إلى محافظ ذاتية الحفظ (وليس إلى منصات تداول دولية أخرى) كإجراء احترازي، مما يتيح لهم الوقت لتقييم الوضع وتحديد ما إذا كانوا سيعيدون إيداع الأموال في وقت لاحق”.
* رويترز