بعد أن انتقلت المواجهة من التهديدات المتبادلة إلى الضربات العسكرية المباشرة، دخلت العلاقات الأميركية ـ الإيرانية مرحلة هي الأخطر منذ سنوات. فواشنطن نفّذت هجوماً عسكرياً استهدف إيران، فيما سارعت طهران إلى الرد، في تطور أعاد خلط الأوراق ورفع منسوب القلق من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة.
وبين تمسّك الإدارة الأميركية بسياسة الضغط والتصعيد، وإصرار إيران على عدم التراجع والرد على أي استهداف، تبدو المنطقة أمام مشهد مفتوح على احتمالات متعددة تتراوح بين احتواء التصعيد وتدحرجه نحو مواجهة أوسع.
فهل نجحت طهران في تثبيت معادلة ردع جديدة بعد ردّها المباشر على الضربة الأميركية؟ أم أن ما جرى يشكل بداية مرحلة أكثر خطورة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك والتوازنات في المنطقة؟
الخبير في الشؤون الإقليمية والدولية الدكتور حكم أمهز ذكّر بأن طهران، لم تدخل المفاوضات يوماً تحت الضغط أو تحت وطأة الضربات العسكرية، بل كانت في موقع الرد والمبادرة في آن معاً. وأشار إلى أن إيران نفّذت ضربات ضد إسرائيل واستهدفت مصالح وقواعد مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، كما سارعت إلى الرد على أي استهداف أميركي، ما جعلها تعتبر نفسها طرفاً فاعلاً في المواجهة لا متلقّياً لها فقط.
وأوضح أن إيران لم تتراجع عن موقفها التقليدي القائم على رفض التفاوض تحت النار أو تحت التهديد، وقد امتنعت عن العودة إلى المسار التفاوضي طوال فترة التصعيد العسكري، وأي حراك تفاوضي لم يبدأ إلا بعد تراجع المواجهة وإعلان وقف إطلاق النار.
فالقيادة الإيرانية تنظر إلى التفاوض باعتباره عملية تقوم على الندّية وتوازن القوة، لا على الإذعان أو الاستسلام. ولذلك تسعى طهران إلى ترسيخ معادلة مفادها أنَّ أيَّ ضربة تتعرّض لها ستقابل برد مماثل، والضغوط العسكرية لا تدفعها إلى تقديم تنازلات، بل إلى رفع كلفة المواجهة على خصومها قبل الانتقال إلى طاولة التفاوض.
ونفى أمهز أن يكون المسار التفاوضي قد انهار رغم التصعيد العسكري الأخير، مؤكداً أن المفاوضات بلغت مراحل متقدمة وأن الجزء الأكبر من بنود الاتفاق بات شبه منجز. وأوضح أن الخلافات الأساسية تتركز حول ملفي الأرصدة الإيرانية المجمّدة ومصير اليورانيوم المخصب، والتوصل إلى تفاهم بشأنهما كفيل بفتح الطريق أمام الاتفاق، فيما قد يؤدي استمرار التباين إلى إبطاء المسار أو تعقيده.
ورأى أن الحديث عن فشل الدبلوماسية لا ينسجم مع الوقائع، في ظل التقدم الذي تحقّق خلال الجولات السابقة، مشيراً إلى أن مستقبل المفاوضات سيبقى مرتبطاً بمآلات التصعيد الحالي وما ستكشفه التطورات السياسية والميدانية في المرحلة المقبلة.
وعن تحركات الوسطاء، رأى أمهز أن المعطيات لا تشير إلى أن إيران تبحث عن مخرج طارئ أو تسعى إلى اتفاق بأي ثمن، بل إن الوسطاء هم من ينشطون في اتجاه طهران في إطار مساعٍ لخفض التوتر واحتواء التصعيد.
وأضاف أن ما يُروَّج عن سعي إيران إلى وقف المواجهة بأي كلفة لا ينسجم، برأيه، مع سلوكها السياسي خلال المرحلة الماضية، إذ واصلت التمسك بمواقفها وربطت أي تفاوض أو تفاهم بمبدأ الندّية وتوازن المصالح.
وذكّر بأن ترامب كان الأكثر حديثاً عن فرص التوصل إلى اتفاق واستمرار المسار التفاوضي، فيما تعاملت طهران مع الملف بقدر أكبر من التحفظ، مؤكدة مواصلة المفاوضات من دون اندفاع إعلامي أو سياسي نحو التسوية.
وأوضح أن دور الوسطاء يقتصر على نقل الرسائل وتقريب وجهات النظر واحتواء التوتر، ولا يشكل دليلاً على أن إيران تبحث عن مخرج عاجل من الأزمة، بل يندرج في إطار إدارة التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع قد تعقّد فرص التوصل إلى تفاهم في المرحلة المقبلة.
في المقابل، رأى أمهز أن الضغوط السياسية والداخلية المتزايدة على الإدارة الأميركية تجعلها معنية أيضاً باحتواء التصعيد والبحث عن مخارج للأزمة، وتصوير إيران على أنها الطرف الأكثر استعجالاً للتسوية لا يعكس بدقة واقع التوازنات القائمة، فهي تتعامل مع المفاوضات من موقع الصمود وتوازن القوة، لا من موقع الساعي إلى اتفاق بأي ثمن، فيما تسعى واشنطن بدورها إلى الحد من كلفة المواجهة ومنع انزلاقها إلى مسار أكثر تعقيداً.
واعتبر أن استمرار قدرة طهران على الرد بعد الضربات التي تعرضت لها يدل على أنها ما زالت تمتلك عناصر قوة وأوراق ضغط تجعل أي مواجهة مفتوحة مكلفة لجميع الأطراف، فالتطورات الأخيرة أظهرت أنها لا تزال قادرة على فرض نفسها طرفاً أساسياً في معادلة الصراع، وأن أي حديث عن انتقالها إلى موقع الإذعان أو التخلي عن شروطها التفاوضية لا ينسجم، برأيه، مع مسار الأحداث حتى الآن.
وذكّر أمهز بأن طهران وجّهت مراراً رسائل واضحة مفادها أن استهداف بنيتها التحتية الحيوية لن يمر من دون رد، وأن أي اعتداء على منشآتها النفطية أو الاقتصادية قد يقابله استهداف لمصالح ومنشآت مماثلة في المنطقة، بما يرفع كلفة التصعيد ويجعل جميع الأطراف أمام حسابات أكثر تعقيداً. فإيران ما زالت تمتلك عناصر قوة وأوراق ضغط مؤثرة، والتطورات الأخيرة أظهرت أنها لا تزال قادرة على الرد والتأثير في مسار المواجهة.
وأوضح أن الرسائل الإيرانية للولايات المتحدة تضمنت تحذيرات من أن أي استهداف لمنشآت النفط أو الكهرباء أو الموانئ داخل إيران قد يقابله رد يطال مصالح ومنشآت حيوية في المنطقة، بما يرفع كلفة التصعيد على جميع الأطراف.
وأضاف أن طهران لطالما أشارت إلى قدرتها على التأثير في الممرات البحرية وخطوط الملاحة الحيوية، سواء في الخليج أو البحر الأحمر وباب المندب، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة ذات تداعيات تتجاوز حدودها المباشرة.
وأشار إلى أن المقاربة الإيرانية تقوم على مبدأ الرد بالمثل وتوسيع نطاق الكلفة على الخصم، بحيث لا تبقى المواجهة محصورة في ساحة واحدة، بل تمتد إلى مصالح استراتيجية أوسع. وخلص إلى أن إيران تتصرف انطلاقاً من قناعة بأنها تمتلك هامشاً من الردع والقدرة على فرض أثمان مرتفعة على أي تصعيد عسكري واسع النطاق.
وجزم أمهز بأن إيران لا تزال متمسكة بخطوطها الحمراء وترفض تقديم تنازلات تمسّ ثوابتها الأساسية، وما يمكن بحثه يقتصر على بعض الجوانب التقنية أو الإجرائية التي لا تمس جوهر الملفات الخلافية، والرهان على دفع طهران إلى التخلي عن هذه الثوابت عبر الضغوط السياسية أو العسكرية لم يثبت نجاحه حتى الآن، لأن المقاربة الإيرانية تقوم على التمييز بين الملفات القابلة للتفاوض وتلك التي تعتبرها خارج دائرة المساومة.
وختم بالتأكيد أن إيران تنطلق من قناعة راسخة بأن التنازل عن خطوطها الحمراء غير مطروح، وأن أي تسوية محتملة، من وجهة نظرها، يجب أن تقوم على مبدأ التوازن وحفظ المصالح المتبادلة، لا على فرض الشروط أو الإملاءات.