يتصدّر الجنوب اللبناني المشهد في مرحلة مفصلية، مع تسارع التطورات في المنطقة، ولا سيما المفاوضات بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية، فيما تتجه الأنظار إلى مرحلة ما بعد التهدئة وما تفرضه هذه المرحلة من تحديات تتعلق بإعادة الإعمار وعودة الأهالي.
ويواجه الجنوب دماراً واسعاً طال البنى التحتية والمنازل، في ظل أزمة مالية واقتصادية تُعقّد جهود إعادة الإعمار، فيما لا تزال العودة الكاملة للأهالي رهناً بالتطورات الميدانية والسياسية، وفي مقدمتها استكمال الانسحاب الإسرائيلي.
وفي هذا الإطار، يضطلع مجلس الجنوب بمهمة شاقة تشمل تقييم الأضرار، وإدارة ملف المتضررين، ووضع الأسس لمرحلة إعادة الإعمار، وسط تحديات مالية ولوجستية، وترقّب لما ستفضي إليه التطورات السياسية والأمنية.
وللوقوف على خطط المجلس وآفاق عودة الأهالي ومستقبل إعادة الإعمار من هذا المنطلق، تحدثت “المدى” الى رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر، فأوضح بداية أن المجلس، ومنذ الأيام الأولى لوقف الأعمال الحربية، وضع ملف عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم في صدارة أولوياته، وقد باشر بمسح الأضرار لتشكيل قاعدة بيانات شاملة ودقيقة لحجم الأضرار، بالتوازي مع التنسيق المستمر مع الوزارات والإدارات المعنية، بهدف تأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية التي تتيح للمواطنين العودة إلى مناطقهم.
وأضاف أن الأولوية اليوم تتمثل في توفير الظروف اللازمة لعودة آمنة وكريمة، من خلال فتح الطرقات وإزالة الركام، والعمل على إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء حيثما أمكن، إضافة إلى إجراء تقييم ميداني للاحتياجات الملحّة في كل بلدة وقرية، بما يساعد على وضع خطط تدخل وتنفيذ مبنية على الأولويات والإمكانات المتاحة.
وعن حجم الأضرار والتحديات التي تواجه استكمال المسح، قال حيدر: رغم أن بعض المناطق لا يمكن الوصول إليها نتيجة الظروف الأمنية واستمرار الاحتلال في عدد من النقاط، فإن المعطيات الأولية تشير إلى أن حجم الأضرار كبير جداً، ويشمل المنازل السكنية والبنى التحتية والمرافق العامة، إضافة إلى القطاعات الاقتصادية والإنتاجية.
وأضاف أن فرق المسح التابعة لمجلس الجنوب تواصل عملها الميداني بشكل مكثف لاستكمال عمليات التقييم والتوثيق، إلا أن أبرز التحديات تتمثل في صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة، وفي تأمين الإعتمادات اللازمة للتعويض على المتضررين بترميم وإعادة بناء منازلهم، لتمكينهم من العودة إلى قراهم.
وعن تحدي إعادة بناء المنازل في ظل الأزمة المالية، قال حيدر: ندرك تماماً حجم المعاناة والقلق لدى الأهالي، ولا سيما أن عدداً كبيراً من العائلات فقد منازله بشكل كامل أو تعرّضت مساكنه لأضرار جسيمة. وأكد أن عملية إعادة الإعمار تمثل تحدّياً كبيراً في ظل الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة التي يمرّ بها لبنان، إذ تتطلّب موارد وإمكانات تفوق القدرات المتاحة للدولة في الوقت الراهن، مشيراً إلى العمل على إعداد الملفات اللازمة لتأمين الدعم المطلوب.
وأضاف أن مجلس الجنوب يواصل استكمال عمليات المسح والتوثيق وإعداد الملفات الفنية والإدارية اللازمة، بما يساهم في تأمين التمويل والدعم فور توفره، إلى جانب الاستمرار في تحديد الأولويات ومتابعة ملفات التعويضات والإشراف على تنفيذ البرامج المرتبطة بإعادة الإعمار، بما يضمن وصول المساعدات إلى المتضررين وفق معايير واضحة وبأعلى درجات العدالة والشفافية.
وذكر حيدر أن مجلس الجنوب يعمل حالياً على إعداد قاعدة بيانات متكاملة تتضمّن خرائط تفصيلية للأضرار في مختلف المناطق المتضررة، إلى جانب وضع تقديرات أولية للكلفة المطلوبة لإعادة التأهيل والإعمار في القطاعات السكنية والبنى التحتية والخدمات العامة والقطاعات الإنتاجية.
وأوضح أن هذه المعطيات تشكّل الأساس لأي تواصل مستقبلي مع الدول الشقيقة والصديقة، وكذلك مع المؤسسات والصناديق العربية والدولية المانحة، مشيراً إلى أن نجاح عملية استقطاب الدعم يتطلّب رؤية واضحة وخطة متكاملة تستند إلى أرقام دقيقة واحتياجات موثقة، بما يتيح الانتقال السريع إلى مرحلة التنفيذ فور تأمين التمويل اللازم، ويضمن حسن توظيف الموارد المتاحة وفق الأولويات الفعلية للمناطق المتضررة.
ولفت حيدر إلى أن حجم الأضرار والخسائر التي لحقت بالجنوب يتجاوز إلى حدّ كبير الإمكانات المحلية المتاحة، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى دعم عربي ودولي منظم ومستدام. ومن هذا المنطلق، فإن أي مبادرة تهدف إلى إنشاء صندوق خاص لإعادة الإعمار أو عقد مؤتمر دولي مخصص لدعم المناطق المتضررة ستكون موضع ترحيب وتقدير.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلّب توفير إطار تمويلي واضح ومستدام يضمن تأمين الموارد اللازمة لإطلاق مشاريع إعادة الإعمار وإعادة التأهيل وفق أولويات مدروسة، مشيراً إلى أن نجاح هذه الجهود يتطلّب تنسيقاً وثيقاً بين الجهات الرسمية والهيئات المانحة، بما يسرّع عملية التعافي ويؤمن عودة الحياة الطبيعية إلى القرى والبلدات المتضررة بأسرع وقت ممكن.
وفي ما يتعلق بوجود خطة مرحلية في حال تأخر التمويل الخارجي، قال حيدر إن المجلس يعتمد مقاربة مرحلية تأخذ في الاعتبار هذا الاحتمال، بحيث تركز المرحلة الأولى على تأمين الحدّ الأدنى من مقومات الصمود والاستقرار، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم.
وأوضح أن هذه الأولويات تشمل إعادة فتح وصيانة الطرقات الرئيسية، وإعادة تشغيل شبكات المياه والكهرباء قدر الإمكان، وتأهيل المرافق الحيوية والأساسية، ولا سيما المدارس والمراكز الصحية والخدمات العامة، بهدف تمكين المواطنين من استعادة جزء من حياتهم الطبيعية، وعدم ربط تلبية الاحتياجات الملحّة بانتظار انطلاق ورشة إعادة الإعمار الشاملة أو تأمين التمويل الكامل لها.
وأضاف أنه في موازاة ذلك، يواصل المجلس إعداد الخطط والملفات اللازمة للانتقال إلى مراحل إعادة التأهيل والإعمار الأوسع فور توافر الموارد المالية المطلوبة.
ولفت حيدر إلى أن مجلس الجنوب يمتلك خبرة تراكمية طويلة في متابعة المشاريع الإنمائية وعمليات إعادة الإعمار في المناطق الجنوبية، ما يؤهله للقيام بدور محوري في المرحلة المقبلة.
وأوضح أن دوره المتوقع سيشمل مختلف المراحل، بدءاً من عمليات المسح وتقدير الأضرار، مروراً بإعداد الدراسات والملفات الفنية والإدارية اللازمة، وصولاً إلى المساهمة في تنفيذ المشاريع ومتابعة حسن سيرها بالتنسيق مع الوزارات والإدارات المختصة والجهات المانحة.
وأكد أن الهدف الأساسي هو ضمان أن تتم عملية إعادة الإعمار بشكل منظم وسريع وفعّال، وبما يحقق استجابة حقيقية لاحتياجات الأهالي، ويعزز استعادة الحياة الطبيعية في المناطق المتضررة.
وختاماً، توجّه حيدر إلى أهل الجنوب بالقول إن صمودهم وتمسكهم بأرضهم يشكلان مصدر قوة وأمل لجميع اللبنانيين. وأكد إدراك حجم المعاناة والخسائر التي تكبدوها، مشدداً على أن العمل مستمر دون توقف لتأمين مقومات العودة الكريمة وإطلاق مسار إعادة الإعمار في أقرب وقت ممكن.
وأضاف أن الجنوب، الذي واجه التحديات على مدى عقود، أثبت دائماً قدرته على النهوض من جديد، وهو قادر اليوم، بإرادة أبنائه أولاً، ثم بدعم الدولة والأشقاء والأصدقاء، على استعادة عافيته ودوره وحيويته في أسرع وقت.