بحسب تقرير للصحافيين سابير ليبكين ونيتسان شابيرا في موقع “N12” الإسرائيلي، زار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس اليوم الثلاثاء قادة وجنود الجيش الإسرائيلي في منطقة قمة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، ووجّه رسالة مباشرة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.
وقال كاتس، خلال الزيارة التي شارك فيها نائب رئيس الأركان تمير يدعي وقائد المنطقة الشمالية رافي ميلو: “عندما تستيقظ صباحًا في القصر بدمشق وتنظر إلى أعلى نحو جبل الشيخ وترى الجيش الإسرائيلي، فأنت تعرف أننا هنا للدفاع عن بلداتنا وعن حدودنا”.
ويأتي ذلك بعدما أعادت الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الأسبوع الماضي قاعدة أبو الظهور فتح ملف الصراع على حدود النفوذ في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، رغم أن الوجود التركي في البلاد ليس جديدًا.
وقال كاتس في هذا السياق: “تحركنا ضد محاولة تركية للتمركز في سوريا بما يعرّض المصالح الأمنية لإسرائيل للخطر. أوضحنا الأمور بشكل واضح وسنتمسك بها في المستقبل أيضًا”.
وشرحت الدكتورة كرميت فالنسي، الباحثة البارزة في معهد دراسات الأمن القومي ورئيسة ملف سوريا فيه، أن التدخل التركي يعود إلى سنوات الحرب السورية، وتحديدًا إلى عامي 2017 و2018، مشيرة إلى أن تركيا دعمت على مدى سنوات الجماعات المعارضة وساعدتها على إعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية بهدف كبح التهديد الكردي.
ومع تغير السلطة في دمشق، تدخل أنقرة، وفق فالنسي، إلى الفراغ الذي نشأ وتساعد في إعادة بناء الجيش السوري من خلال الأسلحة والتدريب والإرشاد.
وقالت: “نحن نرى بالفعل تراجعًا في الوجود التركي المباشر في سوريا، لكنهم منشغلون بمساعدة النظام الجديد”.
وأضافت أن تركيا، في ظل الخطاب المتشدد للرئيس رجب طيب أردوغان، تحاول تثبيت نفسها قوة إقليمية، موضحة أن “إسرائيل تخشى وصول أسلحة استراتيجية وطائرات مسيّرة تركية ومنظومات دفاع تركية قد تعرّض حرية العمل الإسرائيلي للخطر”.
وشددت فالنسي على أن القلق الإسرائيلي يرتبط أيضًا باحتمالات تهديدات داخلية في سوريا، وبإمكان اندلاع جولة جديدة مع إيران، والحاجة الإسرائيلية إلى الحفاظ على حرية الحركة في الأجواء السورية.
وأضافت: “هناك أيضًا خشية من أن تبني تركيا محورًا سنيًا متشددًا يتبنى مواقف معادية لإسرائيل، وأن يترجم ذلك لاحقًا إلى حالة قتال”.
في المقابل، حذرت الدكتورة غاليا ليندنشتراوس، الباحثة البارزة في معهد دراسات الأمن القومي والمتخصصة في السياسة الخارجية التركية المعاصرة، من المخاطر التي قد يحملها التحرك الإسرائيلي نفسه.
وقالت: “تركيا مستثمرة في نجاح أحمد الشرع، وتريد أن ترى سوريا مستقرة، وهناك مشاريع قد تجعل سوريا مركزًا مهمًا بالنسبة إلى تركيا، لكن الغارة الإسرائيلية كانت استثنائية”.
وأضافت: “هذه ليست منطقة تعمل فيها إسرائيل عادة، كما أن إعلان إسرائيل مسؤوليتها عن العملية جاء على خلفية التمركز التركي”.
وأشارت إلى أن العلاقات بين إسرائيل وتركيا شهدت تدهورًا منذ أزمة عامي 2009 و2010 وقضية سفينة “مرمرة”، معتبرة أن تركيا كانت في معظم الحالات الطرف الذي دفع بالعلاقات نحو مزيد من التدهور.
وقالت ليندنشتراوس: “هذا خطر أخذته إسرائيل على عاتقها، وقد يتبين أنه سيف ذو حدين، لأنه ربما قرّب أحمد الشرع من تركيا بدلًا من إبعاده عنها، وقد يسرّع أيضًا نيات أنقرة لزيادة نفوذها العسكري داخل سوريا”.
ورغم تصاعد الحديث في إسرائيل عن التهديد التركي، دعت الباحثتان إلى خفض حدة الخطاب الذي برز خلال الأسبوع الأخير.
وقالت ليندنشتراوس إن الأتراك يفسرون هذه التطورات على أنها جزء من الحملة الانتخابية لحكومة بنيامين نتنياهو، الأمر الذي يسمح لهم بوضعها في سياقها المناسب وعدم الرد بصورة حادة، لعدم وجود مصلحة لديهم في مساعدة حملة سياسية إسرائيلية.
من جهتها، قالت فالنسي: “أعتقد أنه يجب أن نستفيق من الصورة التي رافقتنا في الأخبار الإسرائيلية خلال المراحل الأولى من سقوط الأسد، فهذه ليست الحقيقة”.
وأضافت: “أحمد الشرع لا يريد أن يكون تابعًا لأي دولة، ونحن نراه يناور بين مجموعة واسعة من اللاعبين”.
وأشارت إلى أن العلاقات التركية السورية “أقل انسجامًا مما تبدو عليه تحت السطح”، مؤكدة عدم وجود تطابق كامل في المصالح، وأن الشرع “لا يفتح أبواب سوريا أمام كل ما تريده تركيا”.
وفي موازاة ذلك، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي خلال زيارته أن الجيش الإسرائيلي لن يغادر ما وصفه بـ”المنطقة الأمنية” ما دامت هناك تهديدات من جماعات جهادية تجاه إسرائيل.
وقال كاتس: “دمّرنا كامل البنية التحتية الاستراتيجية لجيش الأسد بضربة استمرت عدة أيام”.
وأضاف أن الوجود الإسرائيلي في جبل الشيخ وفي المنطقة الأمنية، على بعد 35 كيلومترًا من دمشق، يهدف إلى منع تشكل تنظيم خطير تابع للنظام الجديد، معتبرًا أن هذا التوجه يشكل أحد الدروس الأساسية المستخلصة من أحداث 7 تشرين الأول.
كما زار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير هذا الأسبوع منطقة الجولان السورية بعد الغارة، ووجّه رسالة ضمنية إلى تركيا، قائلًا: “علينا منع تشكل تهديد عسكري كبير على حدودنا”.
وأوضح زامير أن الجيش الإسرائيلي سيعمل على منع تطور أي تهديد عسكري كبير على الحدود، مضيفًا: “سنعرف كيف نستخدم قوتنا بدقة، حيث يجب ومتى يجب”.
وتابع: “نحن نعمل في واقع متعدد الجبهات، والساحة السورية واحدة منها. نرى ما يحدث ونتابع التغييرات على الجبهة السورية، وعلينا الاستعداد لها وفقًا لذلك”.
وختم بالقول: “لن نسمح لقوات معادية بالتمركز على حدودنا، وسنعرف كيف نستخدم قوتنا بدقة، حيث يجب ومتى يجب”.
وبين سعي أنقرة إلى تثبيت حضورها داخل سوريا وتمسك إسرائيل بحرية عملها العسكري، تتجه الساحة السورية إلى أن تصبح نقطة احتكاك أكثر حساسية بين الطرفين، فيما يبقى موقع أحمد الشرع بين هذه القوى عاملًا حاسمًا في رسم حدود النفوذ خلال المرحلة المقبلة.