صدر عن بلدية الغندورية البيان التالي:
أهلنا الكرام، دولتنا اللبنانية، وكل الجهات الرسمية والإنسانية المعنية،
ماذا يمكن للكلمات أن تقول أمام بلدةٍ منكوبة أُنهكتها الحروب، وأثقلتها الاعتداءات، ودفعت من بيوتها وأرزاق أهلها وذكريات أطفالها أثمانًا لا تُحتمل؟ ماذا يقال عن الغندورية، هذه البلدة الجنوبية الصابرة، التي وقفت طويلًا في وجه المحن، فإذا بها اليوم تقف على جرحٍ كبير، وخرابٍ واسع، ومشهدٍ يكسر القلب ويُدمي الروح؟
لقد تعرّضت بلدة الغندورية لاعتداءات مدمّرة خلّفت وراءها واقعًا كارثيًا بكل ما للكلمة من معنى. فالمنازل إمّا سُوّيت بالأرض، أو تصدّعت جدرانها، أو أصابها من الضرر ما جعلها غير صالحة للسكن، وغير قادرة على احتضان أهلها من جديد. أما ما تبقّى من بيوت، فهو في معظمه لا يصلح لإقامة آمنة، ولا يوفّر الحدّ الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
ولم يتوقف الخراب عند حدود المنازل، بل طال شبكات المياه والكهرباء والاتصالات، وتضرّرت الطرقات والبنية التحتية والمرافق العامة، فأصاب البلدة شللٌ شبه كامل، وغابت عنها أبسط مقومات الاستقرار والعيش الطبيعي. كما امتدّت الأضرار إلى الأراضي الزراعية والمحال التجارية والممتلكات الخاصة، ما ضاعف من حجم الخسائر، وعمّق من معاناة الأهالي الذين وجدوا أنفسهم بين وجع التهجير وقسوة الانتظار وضيق الحياة.
إن الغندورية اليوم ليست مجرد أبنية مهدّمة وطرقات متعبة، بل هي وجع ناسٍ اقتُلعت من بيوتها، وحكايات عائلاتٍ تفرّقت قسرًا، وذكريات عمرٍ كاملٍ باتت تحت الركام. هي صورة الأب الذي يقف عاجزًا أمام منزلٍ بناه بتعب السنين ثم رآه ينهار في لحظات، وصورة الأم التي كانت تحلم بعودة أولادها إلى بيتٍ دافئ فإذا بها تبحث بين الحجارة عن زاويةٍ بقيت شاهدة على العمر، وصورة الأطفال الذين حُرموا من أحيائهم وغرفهم ومدارسهم وضحكاتهم، ليكبر في قلوبهم سؤالٌ موجع: متى نعود؟
والمشهد الأكثر وجعًا أن أهل الغندورية ما زالوا يحتفظون بمفاتيح بيوتٍ لم تعد موجودة؛ مفاتيح صارت أثقل من الحديد، لأنها تحمل ذاكرة البيت، وصوت الأهل، ورائحة الجدران، ودفء الليالي، وكل ما كان يومًا حياة. إنها ليست مفاتيح أبواب فحسب، بل مفاتيح عمرٍ كامل، ومفاتيح كرامة، ومفاتيح حقّ لا يسقط مهما طال الانتظار.
إن الواقع الراهن في بلدة الغندورية يثبت بما لا يقبل الشك أن البلدة تعيش حالة نكبة حقيقية، نتيجة حجم الدمار الهائل الذي طال منازلها ومرافقها وقطاعاتها الحيوية، وما ترتب عليه من تهجير واسع للأهالي وتعطيل شبه كامل لمقومات الحياة فيها. وإن هذا الواقع يجعل من عودة السكان في الظروف الحالية أمرًا بالغ الصعوبة، بل مستحيلًا في كثير من الحالات، ما لم تبادر الدولة والجهات المختصة إلى تحمّل مسؤولياتها الوطنية والإنسانية، وإطلاق خطة إنقاذ وإعمار عاجلة وشاملة.
وعليه، فإن بلدية الغندورية تطالب الدولة اللبنانية، ومجلس الوزراء، والوزارات والإدارات المختصة، والهيئة العليا للإغاثة، والجهات الدولية والإنسانية، بما يلي:
* إعلان بلدة الغندورية بلدة منكوبة بصورة رسمية، نظراً لحجم الأضرار الجسيمة التي لحقت بها، ولعدم صلاحية عدد كبير من منازلها ومرافقها للحياة الآمنة.
* إجراء مسح ميداني شامل وشفاف وسريع لتوثيق الأضرار في المنازل والمحال والمؤسسات والبنية التحتية والأراضي الزراعية والممتلكات الخاصة.
* إقرار تعويضات عاجلة ومنصفة للمتضررين، تضمن إعادة بناء منازلهم وتعويض خسائرهم وتمكينهم من العودة إلى أرضهم بكرامة.
* إطلاق ورشة إعادة إعمار طارئة وشاملة تشمل المساكن، وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات، والطرقات، والمرافق العامة، وكل ما يلزم لإعادة الحياة إلى البلدة.
* تخصيص برامج دعم اجتماعي وإنساني ومعيشي للأهالي المهجّرين الذين يعيشون ظروفًا قاسية منذ اضطرارهم إلى مغادرة منازلهم.
إننا في بلدية الغندورية لا نرفع هذا النداء من باب الوصف أو تسجيل الموقف، بل من قلب المعاناة الحقيقية التي يعيشها أهلنا كل يوم. نحن لا نطلب ترفًا، ولا نبحث عن امتيازات، بل نطالب بحق الناس في بيتٍ يأويهم، وبحق الأطفال في الأمان، وبحق كبار السن في أن يعودوا إلى ما تبقّى من أعمارهم بين جدرانهم وأرضهم، وبحق الغندورية أن تنهض من تحت الركام كما كانت دائمًا بلدةً عزيزةً كريمةً صامدة.
أهل الغندورية الذين صبروا وثبتوا وتمسّكوا بأرضهم رغم كل الوجع، يستحقون اليوم موقفًا وطنيًا صادقًا، لا يكتفي بالمواساة، بل يترجم التضامن إلى أفعال، والوعود إلى خطوات، والكلمات إلى إعادة إعمار حقيقية تعيد للبلدة نبضها وللناس بيوتهم وكرامتهم.
نحن لن نقبل أن تبقى الغندورية أسيرة الدمار، ولن نرضى أن يبقى أهلها معلّقين بين نزوحٍ قاسٍ وعودةٍ مؤجلة. سنبقى نطالب، ونتابع، ونرفع الصوت باسم كل بيتٍ تهدّم، وكل أمٍّ بكت، وكل طفلٍ ينتظر، حتى تعود الغندورية أجمل مما كانت، وحتى تتحول مفاتيح الوجع إلى مفاتيح بيوتٍ جديدة، تُفتح على حياةٍ تليق بأهلها وصمودهم وتضحياتهم.
رحم الله شهداءنا، وحفظ أهلنا، وربط على قلوبهم، وجعل بعد هذا الوجع فرجًا، وبعد هذا الخراب عمرانًا، وبعد هذه المحنة عودةً كريمةً تليق بالغندورية وأهلها.