في وقت تتجه فيه الأنظار إلى المفاوضات والاتصالات المتعلقة بجنوب لبنان، تتواصل على الأرض الاعتداءات الإسرائيلية على البلدات الحدودية، وسط تصاعد عمليات التفجير والتجريف التي تطال المنازل والبنى التحتية والمرافق العامة، رغم تراجع وتيرة المواجهات. ويأتي ذلك في وقت يُفترض أن تكرّس فيه الجهود السياسية الاستقرار وتفتح الباب أمام تثبيت التفاهمات، فيما لا تزال القرى الجنوبية تواجه سياسة تدمير ممنهجة، وسط غياب أي تحرك رسمي فاعل يواكب حجم ما يجري. ويثير استمرار هذه الاعتداءات تساؤلات حول جدوى المساعي السياسية إذا كانت إسرائيل تواصل، بالتوازي معها، عمليات النسف والتجريف في البلدات الحدودية من دون أي رادع.
وفي ظل هذا الواقع، تتعالى أصوات البلديات والأهالي مطالبة الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولياتها واتخاذ خطوات عملية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، بعدما باتت عمليات النسف والتجريف تطال عددًا متزايدًا من البلدات الحدودية، مخلفة دمارًا واسعًا في المنازل والمؤسسات العامة والبنى التحتية.
ومن بين هذه البلدات، تبرز بيت ياحون، حيث أطلق رئيس بلديتها مصطفى مكي، عبر “المدى”، صرخة استغاثة، محذرًا من استمرار عمليات التفجير والتجريف التي ينفذها الجيش الإسرائيلي، ومعتبرًا أن ما تتعرض له البلدة لم يعد يقتصر على تدمير المنازل، بل بات يستهدف محو معالمها ومقومات الحياة فيها، في ظل غياب أي تحرك رسمي يضع حدًا لهذه الاعتداءات.
ويقول مكي إن أهالي بيت ياحون يتابعون منذ أيام، عبر شاشات التلفزة ووسائل الإعلام، مشاهد نسف منازلهم وإحراقها وتدمير البنى التحتية في بلدتهم، فيما لا يزال الصمت الرسمي سيد الموقف، من دون أي خطوات عملية لوقف هذه الاعتداءات أو حتى إصدار موقف واضح يدينها.
ويتساءل: “هل يتضمن اتفاق الإطار، أو أي اتفاق يجري التفاوض بشأنه، السماح لإسرائيل بتجريف بلداتنا وتفجير منازلها وإحراقها؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلتصارحنا الدولة بذلك. أما إذا لم يكن كذلك، فما الذي يمنعها من التحرك لوقف هذه الانتهاكات”؟
ويشير إلى أن قوات العدو موجودة داخل بيت ياحون منذ نحو أسبوع، لافتًا إلى أن الجميع يعلم، وفق الوقائع وما تنقله وسائل الإعلام، أنه لا وجود لأي مقاومة داخل البلدة، متسائلًا: “إذا كانت البلدة خالية من أي وجود للمقاومة، فلماذا يستمر تدميرها بهذا الشكل”؟
ويؤكد أن الاستهداف لم يقتصر على المنازل، بل طال مبنى البلدية، ومساجد البلدة، والحسينية وحتى الجبّانة لم تسلم من إجرامهم، وكذلك شبكات المياه والكهرباء، ومحطة تكرير المياه، والخزان الرئيسي، والبئر الارتوازي، ومنظومات الطاقة الشمسية، وخزانات المازوت، ومولدات الكهرباء، مشيرًا إلى أن أكثر من 80 في المئة من منازل البلدة دُمّرت، مضيفًا: “حتى معالم بيت ياحون وذكريات أهلها لم تسلم من التفجير”.
ويرى مكي أن ما يزيد من قسوة المشهد هو غياب أي تحرك رسمي يوازي حجم الكارثة، مؤكدًا أنه لم يصدر حتى الآن أي موقف جدّي أو خطوات عملية لوقف عمليات النسف التي تتعرّض لها البلدة.
ويشدّد على أن أبناء بيت ياحون، الذين لا يزال عدد كبير منهم في مراكز الإيواء، متمسّكون بحقهم في العودة إلى أرضهم مهما بلغت التضحيات، مؤكدًا أنهم سيعودون إلى بلدتهم حتى لو لم يبقَ منزل واحد قائم، وسيقيمون فيها ولو تحت الخيام، لأن ارتباطهم بأرضهم لا يمكن أن يلغيه الدمار.
ودعا مكي السلطة اللبنانية إلى تحمّل مسؤولياتها الوطنية، والتحرك العاجل لوقف عمليات التفجير والتجريف الإسرائيلية، وحماية ما تبقّى من بيت ياحون وسائر البلدات الجنوبية، والعمل على تأمين عودة الأهالي إلى قراهم في أسرع وقت.