يتصاعد التوتر بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو إلى مستوى غير مسبوق، في مواجهة تتجاوز السجالات السياسية التقليدية نحو صراع على النفوذ ودور كل طرف في رسم معادلات الإقليم.
فبين تحذيرات أردوغان من أن الاعتداءات الإسرائيلية في سوريا ولبنان تمسّ الأمن القومي التركي مباشرة، وربطه أمن بلاده باستقرار محيطها الإقليمي الممتد من دمشق إلى بيروت، وردّ نتنياهو باتهامات سياسية وشخصية حادة، تتسع دائرة التصعيد بين الجانبين بصورة لافتة.
هذا المشهد يثير تساؤلات تتجاوز حدود الخلاف الثنائي: هل نحن أمام انهيار ما تبقّى من مسار التطبيع الهش بين أنقرة وتل أبيب، أم أن الأمر لا يعدو كونه تبادلاً لرسائل سياسية عالية السقف تحكمه حسابات داخلية وإقليمية معقدة؟
وفي موازاة هذا الاشتباك المتصاعد، تتجه الأنظار إلى تداعياته المحتملة على التوازنات في شرق المتوسط وسوريا ولبنان وفلسطين، وسط سؤال جوهري: هل تتجه العلاقة بين الطرفين نحو مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد، أم أن قنوات الاحتواء غير المعلنة ما زالت قادرة على منع الانزلاق إلى صدام يتجاوز حدود الحرب الكلامية؟
وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي التركي من إسطنبول جواد غوك لـ”المدى” أن أردوغان ينطلق من رؤية تعتبر أن أمن تركيا مرتبط بأمن جوارها الإقليمي، إلا أن هذه المواقف لا ترقى إلى مستوى إعلان عقيدة أمنية جديدة أو تبنّي سياسة تدخل مباشر، بل تعكس مقاربة أنقرة للتطورات الإقليمية ورسائلها السياسية حيالها.
وذكّر غوك بأن العلاقات التركية ـ الإسرائيلية شهدت مراراً مراحل من التوتر أعقبتها عودة تدريجية إلى التعاون، ولا سيما اقتصادياً. غير أن الحرب على غزة شكّلت نقطة تحوّل في النظرة التركية، إذ باتت أنقرة تعتبر السياسات الإسرائيلية عاملاً مؤثراً في استقرار المنطقة بأكملها وليس فقط في إطار غزة أو فلسطين، ما وسّع مساحة الخلاف بين الطرفين لتتجاوز الملفات التقليدية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقاله إلى مستوى قطيعة استراتيجية شاملة.
ورأى غوك أن إعادة التطبيع أصبحت أكثر صعوبة في ظل التصعيد المتبادل بين أردوغان ونتنياهو، بعدما اكتسب الخلاف بعداً شخصياً انعكس بوضوح في الخطاب السياسي والإعلامي. ومع ذلك، فإن التجارب السابقة، وخصوصاً بعد أزمة “مافي مرمرة” Mavi Marmara، تشير إلى أن باب التهدئة وإعادة التواصل لا يزال مفتوحاً، وإن بات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. وأدرج جانباً من هذا التصعيد أيضاً في إطار الرسائل السياسية الموجهة إلى الداخل والخارج، من دون أن يعني بالضرورة انهيار قنوات الاتصال بالكامل.
وحول الأدوات التي تمتلكها تركيا للرد على إسرائيل إذا اعتبرت أن ما يجري في سوريا ولبنان يمسّ أمنها القومي، أوضح غوك أن أنقرة تملك أوراق ضغط سياسية ودبلوماسية واقتصادية مهمة، مستفيدة من ثقلها الإقليمي وعلاقاتها الدولية وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى قدراتها العسكرية، لكنه استبعد احتمال المواجهة العسكرية المباشرة، نظراً إلى كلفتها العالية وحسابات الردع القائمة، معتبراً أن إسرائيل لا تجرؤ على استهداف تركيا عسكرياً.
وفي ما يتعلق بمخاوف أنقرة من إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، أكد غوك أن تركيا تنظر بقلق إلى أي ترتيبات إقليمية جديدة قد تؤثر على موازين القوى في سوريا وشرق المتوسط، خصوصاً في ظل احتمالات تراجع الانخراط الأميركي وإعادة توزيع الأدوار بين القوى الإقليمية، بما فيها إيران. وأضاف أن الخطاب التركي يعكس في الوقت نفسه هواجس استراتيجية حقيقية وسعياً إلى تعزيز موقع تركيا ونفوذها الإقليمي.
أما بشأن ما إذا كان استمرار التصعيد بين أردوغان ونتنياهو سيحسم ميزان القوة بين تركيا وإسرائيل وانعكاساته على لبنان وسوريا وفلسطين، فاعتبر غوك أن لكل من الطرفين عناصر قوة مختلفة؛ فتركيا تستند إلى موقعها الاستراتيجي ونفوذها الإقليمي وقدراتها العسكرية، فيما تعتمد إسرائيل على تفوقها التكنولوجي والعسكري والدعم الغربي، ولا سيما الأميركي. ولذلك، من الصعب الحديث عن طرف منتصر بشكل واضح، مرجحاً أن يبقى التنافس في إطار صراع النفوذ والتأثير غير المباشر، مع احتمال زيادة الاستقطاب الإقليمي وتوسيع ساحات المنافسة، خصوصاً في لبنان وسوريا وفلسطين، من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة شاملة.