تتواصل الحرب الروسية الأوكرانية وسط تعثر الجهود الرامية إلى إنهائها، فيما تبرز احتمالات عقد قمة تجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيريه الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ، لبحث ملفات دولية تتجاوز الأزمة الأوكرانية.
وبين مساعي تخفيف التوتر وتباين المصالح الاستراتيجية، يبقى الملف الأوكراني الاختبار الأبرز لأي تفاهم محتمل، في ظل تمسك كل من موسكو وكييف بمواقفهما.
فهل تفتح القمة الباب أمام تفاهمات دولية جديدة، أم تبقى التسوية الأوكرانية رهينة الخلافات بين القوى الكبرى؟
أستاذ العلوم السياسية في جامعة العلوم الإنسانية في موسكو، الدكتور نزار بوش، أوضح أن المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا لا تزال تصطدم بعقبات عدة، أبرزها دعم بعض الدول الغربية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وعدم رغبتها في انخراطه في مفاوضات قد تفضي إلى تحقيق موسكو مكاسب سياسية أو ميدانية.
وأضاف أن ترامب يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه صانع سلام قادراً على إنهاء الحرب، مدفوعاً برغبته في تحقيق إنجاز سياسي شخصي أكثر من سعيه إلى إحلال السلام بين البلدين.
وأشار إلى أن واشنطن تحقق مكاسب اقتصادية من استمرار الحرب، عبر بيع الأسلحة لأوروبا التي تقدم بدورها الدعم العسكري لكييف، فيما يسعى ترامب إلى إظهار بلاده بوصفها القوة القادرة على إنهاء الحروب، لكنه لم ينجح حتى الآن في تحقيق أهدافه المعلنة، في حين لا يزال بوتين متمسكاً بالأهداف التي حددها منذ بداية العملية العسكرية.
وأبدى بوش استعداد موسكو للدخول في مفاوضات جدية ووقف الحرب، شرط ضمان حياد أوكرانيا وعودة منطقة دونباس بالكامل إلى السيطرة الروسية، واستبعد تراجعها عن مطالبها في ظل انعدام ثقتها بواشنطن والغرب، مستحضراً اتفاقيات مينسك، التي قال إن الالتزامات المتعلقة بها لم تُنفذ.
وقال إن روسيا لا تثق بالولايات المتحدة، بغض النظر عن هوية الرئيس، جمهورياً كان أم ديمقراطياً، فترامب فرض خلال ولايته الأولى عقوبات واسعة عليها، وإدارته انسحبت من اتفاقيات دولية، بينها معاهدة الأجواء المفتوحة ومعاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى. اما انفتاح ترامب على بوتين فبهدف تخفيف التوتر وتجنّب المواجهة بين قوتين نوويتين، لما قد يترتب على أي صدام بينهما من تداعيات على الأمن العالمي. وقد نجح ترامب في خفض حدة التوتر، مستفيداً من معرفته السابقة ببوتين، مقارنة بمرحلة إدارة جو بايدن.
ومع ذلك، شدد على أن العلاقات لم تصل إلى مرحلة الانفراج، بل لا تزال في إطار خفض التصعيد واستعادة قنوات التواصل. وأشار إلى استمرار بعض التفاهمات الاقتصادية المحدودة، ومنها صفقة الديزل، التي استفاد منها الطرفان، ووظّفها ترامب في حساباته الداخلية قبيل الانتخابات النصفية، فضلاً عن استمرار تزويد الولايات المتحدة بجزء من احتياجات مفاعلاتها النووية من اليورانيوم الروسي.
وأكد بوش أن ترامب لم يتخلَّ عن سياسة الضغط على موسكو، إذ استمر في فرض العقوبات عليها خلال ولايته الحالية، عازياً استمرار التوتر إلى ضغوط التيارات المعادية لروسيا وجماعات المصالح، ولا سيما المرتبطة بقطاعي النفط والصناعات العسكرية واللوبي الإسرائيلي.
واستبعد التوصل إلى تفاهمات استراتيجية بين موسكو وواشنطن راهنا، محذراً من التعويل على تصريحات ترامب المتقلّبة.
اما دور أنقرة فلا يزال محدوداً، بنظر بوش، رغم مساعي الرئيس التركي لاستضافة مفاوضات بين الطرفين في إسطنبول، على غرار ما جرى عام 2022، فالرئيس رجب طيب أردوغان يسعى إلى تعزيز صورة بلاده لاعباً دولياً مؤثراً، وإبراز دورها في توفير منصة للمفاوضات أمام المجتمع الدولي.
لكن بوش استبعد أن تمنح موسكو أو واشنطن، أنقرة، دور الوسيط الرئيسي، مرجّحاً أن تستضيف أبو ظبي أي جولة تفاوضية مقبلة بوساطة أميركية، في ظل تشابك المصالح الدولية وحجم الحرب الذي يتجاوز قدرة تركيا على قيادة التسوية بمفردها.
واعتبر بوش أن انعقاد قمة ثلاثية تجمع بوتين وترامب وشي سينعكس إيجاباً على الأمن الاستراتيجي العالمي ويسهم في تخفيف التوتر بين القوى الكبرى، لكنه استبعد أن تفضي إلى تفاهمات استراتيجية واسعة أو شراكة دولية جديدة.
وأوضح أن العلاقات الروسية الصينية تقوم على تفاهمات فعلية وتعاون سياسي واقتصادي، في حين تبقى فرص التوصل إلى تفاهمات مماثلة مع واشنطن محدودة، بسبب تأثر القرار الأميركي بحسابات ترامب الشخصية وضغوط جماعات المصالح، ولا سيما المرتبطة بقطاعي النفط والصناعات العسكرية واللوبي الإسرائيلي، خلافا للرئيسين الروسي والصيني اللذين يتمتعان بهامش أوسع في اتخاذ القرار.
وأكد أن أي قمة ثلاثية لن تحل الملف الأوكراني، فالتسوية تتطلب مشاركة كييف، إلى جانب الأطراف الأوروبية المعنية،
وذكّر بأن ترامب لم يتمكّن من تنفيذ التفاهمات التي توصل إليها مع بوتين في قمة ألاسكا، ولا تلك المتعلقة بإيران، بما فيها البنود السبعة ، بسبب الضغوط الأوروبية والتيارات المتشددة والمعادية لروسيا داخل الولايات المتحدة.
في المقابل، أشار بوش إلى استمرار العمليات العسكرية الروسية والتقدّم على الجبهة، بالتزامن مع تدهور الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية في أوكرانيا، واستمرار هذا المسار قد يؤدي إلى شلل الحياة في البلاد ويدفع كييف إلى القبول بتسوية وفق شروط روسيا.
أما الحرب على إيران فروسيا تعتبرها عدوانا، بحسب بوش، مشيراً إلى أن علاقات موسكو وطهران تستند إلى اتفاقية شراكة استراتيجية، فضلاً عن التعاون الاقتصادي والتجاري الواسع والدعم الروسي لإيران في مواجهتها العسكرية، إلى جانب الدور الصيني.
وأوضح أن موسكو تسعى إلى لعب دور الوسيط لوقف الحرب ومنع اتساعها إقليمياً، لافتاً إلى أنها سبق أن طرحت نقل اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60 في المئة إلى الأراضي الروسية، وهو مقترح وافقت عليه طهران آنذاك، لكن التطورات العسكرية اللاحقة، ولا سيما الحرب التي استمرت 12 يوماً، ثم المواجهة التي تلتها واستمرت 39 يوماً، رغم وجود مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران، أضعفت ثقة إيران بالولايات المتحدة وجعلتها أكثر تشككاً في أي اتفاقات معها.
وأضاف أن هذه التجارب قد تدفع إيران إلى رفض نقل اليورانيوم المخصب إلى الخارج وتقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأشار إلى أن موسكو جددت استعدادها للوساطة وطرح نقل اليورانيوم المخصب إلى روسيا، لكن الموقف الإيراني يبدو أكثر تشدداً، في ظل انعدام الثقة بالوعود الأميركية ورفض تقديم تنازلات في هذا الملف.
وختم بوش بأن الأزمة تزداد تعقيداً، معتبراً أن واشنطن تسعى إلى إخضاع إيران وانتزاع تنازلات منها، فيما ترفض طهران منح ترامب ما يمكن تقديمه بوصفه انتصاراً سياسياً، الأمر الذي يعقّد فرص التوصل إلى تفاهمات تحول دون تجدد المواجهة.
وأكد بوش متانة العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، بصرف النظر عن هوية الرئيس الأميركي أو رئيس الوزراء الإسرائيلي، معتبراً أن نتائج الانتخابات الأميركية، سواء النصفية أو الرئاسية، لن تُحدث تغييراً جوهرياً فيها.
واعتبر أن الخلافات المتداولة بين ترامب ونتنياهو تندرج في إطار التصريحات الإعلامية، مشيراً إلى نفوذ اللوبي الإسرائيلي في عملية صنع القرار الأميركي، والمكانة الاستثنائية التي تحظى بها إسرائيل لدى واشنطن، باعتبارها قاعدة عسكرية متقدمة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
واستبعد أن يؤثر تراجع نفوذ ترامب أو تغير موازين القوى في الكونغرس لمصلحة الجمهوريين أو الديمقراطيين على العلاقات الأميركية الإسرائيلية، أو على احتمالات توجيه ضربة جديدة إلى إيران، سواء بقرار أميركي منفرد أو بعمل عسكري مشترك بين واشنطن وتل أبيب.
أما بشأن انعكاسات ذلك على لبنان وسوريا، فرأى بوش أن واشنطن تتعامل مع البلدين باعتبارهما دولتين ضعيفتين، وتمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرك فيهما، من دون اتخاذ مواقف رادعة إزاء عملياتها العسكرية. وأشار إلى أن هذا النهج استمر حتى خلال إدارة بايدن، مستشهداً بتصريحاته الداعمة لإسرائيل.
وشدد على أن الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين يتركز أساساً في السياسة الداخلية، فيما تبقى السياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما تجاه إسرائيل والشرق الأوسط، ثابتة إلى حد كبير ولا تتأثر بتغير الإدارات.
واعتبر أن أي تغيير في موازين القوى داخل الولايات المتحدة أو تراجع نفوذ ترامب لن يحدّ من هامش التحرك الإسرائيلي في لبنان وسوريا، أو في المنطقة عموماً، بما فيها الأجواء الع