في وقت يتواصل فيه البحث عن ترتيبات سياسية وأمنية يُفترض أن تضع حدًا للتصعيد على الحدود الجنوبية، وتبرز «اتفاقية الإطار» باعتبارها المسار الذي يُفترض أن ينظم المرحلة المقبلة ويؤمّن قدرًا من الاستقرار، تبدو الوقائع الميدانية في عدد من القرى الجنوبية وكأنها تسير في اتجاه معاكس. فعمليات القصف والتفجير والجرف وهدم المنازل وتجريف الأراضي الزراعية تتواصل، فيما يبقى مصير الأهالي والقرى الحدودية معلقًا بين تفاهمات سياسية لم تترجم، وفق روايات أبناء المنطقة، إلى حماية فعلية على الأرض، وواقع ميداني تواصل فيه إسرائيل فرض وقائع جديدة.
ولعل بلدة حولا الجنوبية تشكّل أحد أبرز نماذج هذا الواقع، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة ساحة مفتوحة للتدمير والتهجير، وصولًا إلى استكمال هدم ما تبقّى من منازلها وجرف مساحات واسعة من أراضيها وأشجارها.
وبينما تطرح هذه التطورات أسئلة حول فعالية «اتفاقية الإطار» وقدرتها على حماية القرى الجنوبية، يستعيد رئيس بلدية حولا علي ياسين تاريخًا طويلًا من الاعتداءات التي تعرضت لها البلدة، من مجزرة عام 1948 وصولًا إلى ما تشهده اليوم.
وتحدث ياسين عن الواقع الميداني الذي تعيشه البلدة اليوم، مؤكدًا استمرار عمليات تدمير المنازل وجرفها، وما وصفه بمحاولة العدو الإسرائيلي محو مقومات الحياة فيها. وقال إن نسبة المنازل المدمّرة بلغت، أمس، مئة في المئة، بعد هدم آخر دفعة منها، مشيرًا إلى أن العدو كان يفجّر خلال أسبوع واحد ما بين ستة وسبعة منازل يوميًا، وأحيانًا عشرة، «حتى لم يبقَ شيء في حولا » .
وأضاف أن عمليات التدمير طالت أيضًا الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون والكروم والغابات، موضحًا أن العدو جرف أشجار الزيتون المعمّرة وسرق بعضها، ودمّر الكروم، وأحرق الغابات والأشجار المثمرة وغير المثمرة، ولم تسلم المقابر من الجرف والتدمير. ولفت إلى أن بعض أشجار الزيتون التي جرى تدميرها يعود عمرها إلى 300 أو 400 سنة، وقد ورثها الأهالي عن أجدادهم، معتبرًا أن استهدافها، إلى جانب المنازل والأراضي والمقابر، يشكّل محاولة لـ«محو ذاكرتنا وكل ما يتعلق بتاريخنا وأصل وجودنا في قرانا».
وأدرج ما تتعرض له حولا اليوم في سياق تاريخ طويل من الاعتداءات والتهجير والدمار، مستعيدًا ما جرى عام 1948، حين ارتُكبت أول مجزرة في البلدة.
وأكد أن قرى الجنوب شكّلت، على مدى عقود، خط الدفاع الأول عن لبنان، رافضًا توصيفها بأنها مناطق صفراء أو حمراء، ومؤكدًا أن سكانها دفعوا أثمانًا متتالية من القتل والتهجير والحرائق وتدمير الأراضي.
واعتبر ياسين أن «المصيبة الأكبر» تكمن في تصاعد عمليات الجرف والتدمير والحرق منذ التوصل إلى «اتفاق الإطار»، لتطال كل ما يوحي بالحياة في البلدة، وذلك على مرأى ومسمع من السلطة اللبنانية، التي وصفها بأنها مقيّدة بالاتفاق، معتبرًا أنه نُفّذ من الجانب اللبناني من دون أن يقابله التزام مماثل من الجانب الإسرائيلي.
وانتقد ما وصفه بغياب ردّ فعل لبناني، رسميًا وإعلاميًا، حيال عمليات القتل والتدمير وحرق المنازل، معتبرًا أن إسرائيل باتت تتحرك بحرية في البلدة، من دون اتخاذ خطوات كافية، بحسب رأيه، لوقف ما يجري أو رفع الصوت حيال هذه الانتهاكات.
ورأى أن السلطة اللبنانية «كبّلت نفسها» باتفاق الإطار، ما أضعف، بحسب تقديره، قدرتها على مواجهة ما تتعرض له حولا، ولا سيما عبر الأدوات القانونية والدبلوماسية المتاحة، من تقديم الشكاوى إلى المنظمات الدولية ومجلس الأمن والجهات المعنية بحقوق الإنسان.
وقال إن أهالي حولا يشعرون بأنهم مستهدفون في أصل وجودهم، ليس فقط بفعل الدمار الذي تتعرض له البلدة، وإنما أيضًا نتيجة ما وصفه بالتقاعس الرسمي عن مواجهة هذا الواقع، مؤكدًا أن استمرار هدم المنازل وجرف الأراضي وحرق الأشجار أمام أنظار الدولة يعزز شعور الأهالي بأنهم متروكون لمصيرهم.
وأعرب ياسين عن استيائه من الصمت الدولي، ولا سيما الغربي، تجاه ما تتعرض له البلدة وسكانها، وقال: «حتى العالم الذي يدّعي الحضارة والحفاظ على حقوق الإنسان، لم نسمع له صوتًا أو نرَ منه تحركًا لإيجاد حل يحفظ كرامتنا».
ورأى أن ما تشهده حولا يمثل «حربًا من جانب واحد»، يستمر فيها القتل والتدمير والتهجير من دون موقف دولي فاعل أو تحرك جدي لوقف ما وصفه بانتهاكات وجرائم للعدو وتوثيقها، مضيفًا: «لا أحد يشعر بما نشعر به».
وانتقد ياسين ما وصفه بمحاولة السلطة اللبنانية تبرير الاتفاق من خلال إنشاء ما سُمّي «مناطق تجريبية»، معتبرًا أن التجربة أثبتت فشلها في تحقيق الأمن والاستقرار.
وأوضح أن الجانب الأميركي لم يتمكّن، حتى الآن، من ضمان إقامة «منطقة تجريبية» مستقرة تحظى بموافقة رئيس الجمهورية وتؤمّن الحد الأدنى من الأمن للسكان، مشيرًا إلى أن الوقائع الميدانية أثبتت أن هذه المناطق لم تكن بمنأى عن الاستهداف الإسرائيلي، رغم أنها لم تكن مناطق محتلة، بل تقع بمحاذاة قرى لا تزال تحت الاحتلال.
وأضاف بسخرية أن الأهالي باتوا يسمّونها «مناطق تخريبية»، بعدما تحولت، وفق تعبيره، إلى مساحات استُبيحت فيها المنازل والأراضي ومقومات الحياة، بدل أن تكون نموذجًا للأمن والاستقرار.
ولفت ياسين إلى أن أهالي حولا يعيشون منذ نحو ثلاث سنوات ظروفًا قاسية، في ظل غياب فرص العمل والمساعدات وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية. ووجّه نداءً إلى اللبنانيين بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم لتحمّل مسؤولية ما يجري في الجنوب، محذرًا من أن تداعيات تدمير قرى المنطقة لن تقتصر على أهلها، وقال: «الجنوب هو قلب لبنان، وإذا تدمر القلب، معناه تدمر لبنان» .
كما ناشد الرؤساء الثلاثة العمل على إيجاد «حل وصيغة حقيقية» لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، معتبرًا أن استمرار الاعتداءات رغم الاتفاقات والتفاهمات يستدعي مقاربة تضمن حماية السكان وصون حقوقهم، وداعيًا إلى موقف وطني جامع لمعالجة أزمة النزوح، وتأمين مقومات الصمود، وعودة الأهالي إلى بلداتهم ومنازلهم بشتى السبل والوسائل.

