كتبت “البناء”: فيما يؤكد جيش الاحتلال سرديّته التي ساقها أمس الأول بالسيطرة العملياتية على تلة علي الطاهر وتفاصيل ميدانية متناقضة لا ترقى إلى رواية متكاملة ومنطقية، كان لافتاً إطلاق مجموعة من المحللين والخبراء ووسائل إعلام ومنصات وقوى حزبية تدور في الفلك الأميركي ـ الخليجي حملةً إعلامية ـ سياسية تتماهى والسردية الإسرائيلية، وفق سؤال مشترك: لماذا لم يسلّم الحزب التلة للجيش اللبناني بدلاً من أن يسلّمها للجيش “الإسرائيلي”؟ ولم ينتظر هؤلاء صدور موقف من الحزب أو جلاء حقيقة الرواية “الإسرائيلية”، بل عمدوا إلى تبنّيها من دون تحقق وتدقيق. علماً أنّ الجيش اللبناني، وفق ما يؤكد مصدر موثوق لـ”البناء”، رفض تسلّم تلة علي الطاهر وأكد أنه لا يمكنه أن يتسلم شيئاً لا يستطيع الدفاع عنه، خاصة مع غياب أي ضمانة، لا من الأميركي ولا من العدو الإسرائيلي، بأن لا يقوم بالدخول إلى المنشأة بعد تسليمها للجيش اللبناني.
وفيما حافظ حزب الله على صمته ولم يصدر أيّ بيان أو توضيح، لا نفياً ولا تأكيداً للرواية الإسرائيلية، سجلت أوساط معنية وموثوقة لـ”البناء” الملاحظات التالية:
إنّ مصطلح “سيطرة عملياتية” يحتاج إلى توضيح؛ إذ إنّ الحديث عن سيطرة عملياتية لا يعني بالضرورة وجود سيطرة ميدانية شاملة وكاملة ودائمة على تلة علي الطاهر.
المقاومة تعتمد منذ ثلاثة أشهر في هذه المواجهة سياسة الغموض البناء، ولم تصدر أيّ بيان يتعلق بالمواجهات مع العدو “الإسرائيلي”، رغم ما دأب العدو على إعلانه عن وقوع إصابات في صفوفه وعن استهدافات كان يتذرّع بها لتوسيع اعتداءاته في مناطق مختلفة من الجنوب. ويبدو أنها مستمرة في اعتماد هذا الأسلوب. وبالتالي، فإنّ عدم صدور رواية مقابلة من المقاومة لا يعني التسليم بالرواية الإسرائيلية.
تلة علي الطاهر تتعرّض منذ ثلاث سنوات متواصلة لكمّ كبير من القصف والاستهداف.
ملاحظة أساسية في مضمون البيان الإسرائيلي نفسه: العدو يقول إنّ “النشاط الهادف إلى تحييد البنية التحتية تحت الأرض، التي جرى تطهيرها من العناصر، ما زال مستمراً، وإن الجيش سيعيد الانتشار دفاعياً بعد انتهاء هذا النشاط”. إنّ هذه العبارة، تضيف الأوساط، تطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة ما يسمّيه العدو «سيطرة»: فإذا كان الجيش سيستكمل أعمال التحييد والتدمير، ثم يعيد الانتشار دفاعياً، فهذا يعني أنّ الإعلان عن السيطرة قد يكون مرتبطاً بعملية عسكرية محددة، يمكن أن تشمل تدمير أجزاء أو أطراف معينة من الموقع ثم الانسحاب أو إعادة الانتشار، وليس بالضرورة بقاءً ميدانياً وقدرة على الحفاظ على التلة بصورة مستمرة.
العدو الإسرائيلي هو الذي منح موقع علي الطاهر هذه الأهمية، ووصف المنشأة الموجودة فيه بأنها كبيرة ومهمة واستراتيجية، في حين أنّ المقاومة لم تقدّم أصلاً أيّ سردية حول هذه المنشأة أو طبيعتها أو مواصفاتها.
إنّ قول الجيش الإسرائيلي إنه «استهدف فتحات الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر» لا يعني تلقائياً السيطرة على المنشأة؛ فاستهداف فتحات الأنفاق شيء، والسيطرة على المنشأة أو الموقع شيء آخر، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين.
أما حديث العدو الإسرائيلي عن عدم وجود إيرانيين داخل المنشأة، فكيف عرف ذلك؟ وكيف يدّعي أنّ العناصر هربوا قبل السيطرة على التلة؟
تلة علي طاهر تقع خارج منطقة جنوب الليطاني وترتيبات القرار 1701، وهي تخضع لفكرة الحوار الداخلي واستراتيجية الأمن الوطني، لذلك كانت المقاومة تعتبر أنها غير معنية بالردّ على الطلب الأميركي بتسليمها للجيش اللبناني، إضافة إلى أنّ الجيش لم يطالب المقاومة بها.
التوقيت السياسي للإعلان الإسرائيلي يستحق التوقف عنده أيضاً؛ ففي اليوم نفسه الذي جرى فيه الإعلان عن الإفراج عن الأسرى، صدر ليلاً إعلان إسرائيلي عن هذه الخطوة العسكرية، بما يطرح تساؤلاً حول توظيف نتنياهو مجموعة من الخطوات والعناوين لتحسين وضعه السياسي والانتخابي. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم إعطاء منشأة علي الطاهر أهمية قصوى في الخطاب “الإسرائيلي” وتوظيفها ضمن هذا السياق.