تُمثل مرتفعات «علي الطاهر» المشرفة على قضاء النبطية ونهر الليطاني في جنوب لبنان، أحد أكثر محاور المواجهة الميدانية والإعلامية تعقيداً في الصراع الراهن. ففي الوقت الذي يسعى فيه الجيش الإسرائيلي إلى تقديم سيطرته العملياتية على هذه المرتفعات باعتبارها إنجازاً عسكرياً استراتيجياً يفكك ما يصفه بـ«القلعة الحصينة تحت الأرض»، تبرز في المقابل السردية العسكرية لحزب الله والدائرتين اللبنانية والإقليمية المقربة منه، والتي تسعى إلى تقليل الأهمية الاستراتيجية للمرتفع المكشوف، مفسرةً إخلائه بكونه استجابة لتكتيكات «الدفاع المرن» وتفادياً لخسائر بشرية في موقع لم يعد يحتفظ بقيمته العسكرية السابقة.
• الأهمية الاستراتيجية والجغرافية للموقع
تحظى مرتفعات علي الطاهر بأهمية عسكرية متعددة الأبعاد جعلتها عبر العقود محوراً للتخطيط الدفاعي والهجومي لدى الطرفين:
– الموقع الحاكم: تطلّ المرتفعات مباشرة على مدينة النبطية وسهلها، وبلدات كفرتبنيت وأرنون ويحمر والزوطر وإقليم التفاح وشرق سليم، وصولاً إلى مجرى نهر الليطاني، فضلاً عن قربها المباشر من قلعة الشقيف التاريخية.
– الربط بين المحاور: تشكّل التلة نقطة وصل بين خطوط الدفاع الممتدة من الشريط الحدودي نحو عمق إقليم التفاح وجبل الريحان، وتُصنّفها إسرائيل امتداداً جغرافياً لمرتفعات الشقيف.
– التحصين الطبيعي: التضاريس الصخرية والأودية العميقة سهّلت، وفق ما يزعمه الجيش الإسرائيلي، إقامة شبكة أنفاق وغرف عمليات ومنشآت حصينة تحت الأرض على مدى عقود.
• السردية الإسرائيلية (الاستعراض الاستراتيجي وتفكيك البنية)
يقوم الموقف الإسرائيلي على فرضية أن إحكام السيطرة العملياتية وتطهير مرتفعات «علي الطاهر» يُمثلان ضربة موجعة لبنية «وحدة بدر» الناشطة في الحزب. وتتلخص الرواية والمواقف العسكرية الإسرائيلية فيما يلي:
– إسقاط «مجمع القيادة تحت الأرض»: صرح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي والقيادة الشمالية بأن العمليات المركزة التي استخدمت فيها التكنولوجيا المسحية، والروبوتات الاستكشافية، والتفجيرات الهندسية المتتالية، أدّت إلى تفكيك شبكة أنفاق استراتيجية بُنيت على مدى عقدين من الزمن بتمويل وإشراف إيراني مباشر.
– السيطرة العملياتية وتحييد التهديد: اعتبرت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية أن المرتفعات لم تعد تشكّل خطراً يهدّد المستوطنات الشمالية أو القوات المنتشرة في «المنطقة الدفاعية الأمامية».
– الرواية المتعلقة بمصير المقاتلين: تضاربت التقارير الإعلامية والعسكرية العبرية بشأن المقاتلين داخل المجمع؛ فبينما أشارت هيئة البث الإسرائيلية إلى تقديرات بمقتل أعداد من المقاتلين داخل التجاويف الصخرية، أقرّت مصادر عسكرية أخرى بأن مجاميع من عناصر الحزب استطاعت الانسحاب والتسلل عبر فتحات أنفاق ثانوية باتجاه المناطق المجاورة.
• سردية حزب الله (الدفاع المرن ونفي المحاصرة)
في المقابل، تُقدم العلاقات الإعلامية لحزب الله والمصادر الميدانية المقربة منه قراءة مغايرة للحدث، ترتكز على نفي الإنجاز الإسرائيلي وتحجيم القيمة العسكرية للسيطرة:
– نفي المحاصرة وتفنيد الشائعات: نفت العلاقات الإعلامية في حزب الله عبر تصريحات رسمية الادّعاءات الإسرائيلية التي تحدثت عن حصار المئات من مقاتليه داخل أنفاق علي الطاهر، واصفة إياها بالدعايات العارية عن الصحة والتي تندرج في إطار الحرب النفسية.
– استراتيجية «الدفاع المرن»: ترى السردية العسكرية للحزب أن التلال والمرتفعات الثابتة أصبحت في الحرب الحديثة نقاطاً مكشوفة تماماً أمام المسح الجوي المستمر والجهد الناري المكثف. وبناءً عليه، يتم التعامل مع هذه المواقع كمحاور إشغال واستنزاف لتأخير تقدم قوات الاحتلال وتكبيدها خسائر أثناء محاولة الاقتراب، قبل التراجع المنظم عبر طرق ومنافذ محددة مسبقاً.
– تفنيد البروباغندا المادية: حرص الإعلام المحسوب على المقاومة على تفنيد الشائعات الإسرائيلية التي رافقت الاقتحام، من قبيل وجود «مخازن أموال وذهب» تابعة للمؤسسات المالية في التلة، معتبراً أن الهدف الإسرائيلي هو تضخيم القيمة المادية والاستراتيجية للحدث أمام الجمهور الداخلي الإسرائيلي.
• سيناريوهات الميدان والدبلوماسية المعقّدة
تكشف القراءة التحليلية لتطورات المعركة في مرتفعات علي الطاهر عن أبعاد تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة إلى الحسابات السياسية والدبلوماسية:
– المرونة التكتيكية مقابل التثبيت الجغرافي: نجحت المجموعات المدافعة في الحفاظ على قدرتها العسكرية عبر استخدام شبكات التفافية أتاحت خروج العناصر نحو خطوط دفاعية خلفية، مما يحرم الاحتلال من تحقيق فرضية «التصفية الشاملة» أو الأسر الجماعي.
– عقدة التسليم والترتيبات الأمنية: تناولت وسائل إعلامية نقاشات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول خيارات استمرار الاحتلال المباشر للتلة أو تسليمها للجيش اللبناني ضمن ترتيبات أمنية ورعايات دولية، وهو ما يُبرز التخوف الإسرائيلي من الاستنزاف المستمر في التلال المشرفة إذا ما تحولت إلى نقاط تثبيت دائمة.
• التوظيف السياسي للسيطرة العسكرية
يمثّل ما جرى في علي الطاهر، إذا صحّت الرواية الإسرائيلية، نموذجاً لفرض وقائع ميدانية بهدف التأثير على مسار مفاوضات سياسية متعثرة. إسرائيل تسعى، وفق هذا التحليل، لتحويل السيطرة على التلة إلى ركيزة لمفهوم «منطقة أمنية» أو «عازلة» تمنع إعادة بناء أي بنية عسكرية جنوب الليطاني، بينما يبقى السؤال المفتوح هو كيفية تعامل حزب الله مع خسارة موقع دفاعي بهذه الأهمية: هل عبر تصعيد عسكري محدود يهدّد الهدنة القائمة، أم عبر التزام تكتيكي بالتهدئة ريثما تُستكمل المفاوضات في روما، خصوصاً في ظل التحذير الإيراني الأخير لواشنطن والدور الأميركي الذي يبدو حريصاً على منع انفجار شامل للجبهة.
تجسّد معركة مرتفعات «علي الطاهر» جوهر الصراع التكتيكي والسجال الإعلامي الممتد في الجنوب؛ بين من يقيس الانجاز بالسيطرة على الجغرافيا وإعلان تدمير الأنفاق، ومن يعتبر الجغرافيا وسيلة استنزاف قابلة للإخلاء والالتفاف وفق مقتضيات الميدان. وبين الروايتين، تظل المرتفعات نقطة تجاذب عسكري وسياسي مفتوحة على كافة السيناريوهات.