في وقت يروَّج فيه لاتفاق الإطار الجديد بين إسرائيل ولبنان كخطوة دبلوماسية مهمة نحو إعادة تشكيل المشهد في الجنوب، يبرز داخل الأوساط التحليلية الإسرائيلية خطاب أكثر حذرًا يشير إلى أن الطريق أمام تنفيذ الاتفاق مليء بالعقبات البنيوية والسياسية، وأن نجاحه يبقى غير محسوم في ظل تعقيدات داخلية وإقليمية متشابكة.
وبحسب تقرير تحليلي للصحافيين البروفيسور إيلي بودا وأيتان يشي في موقع “N12” الإسرائيلي، فإن الاتفاق الذي وُقّع في 26 حزيران 2026 بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة، رغم أهميته السياسية، يظل إطارًا عامًا يهدف بالأساس إلى وقف الحرب في الشمال، لكنه يتضمن ثغرات ونقاطًا غامضة قد تعيق تطبيقه على الأرض.
ويشير التقرير إلى أن التسرّع في صياغة الاتفاق جاء نتيجة ضغوط سياسية متبادلة، خصوصًا رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية في تسجيل إنجاز دبلوماسي سريع، ما أدى إلى اعتماد صياغات مرنة وترك العديد من البنود دون تحديد واضح.
ويعرض التقرير ثلاثة مخاطر رئيسية قد تهدد تنفيذ الاتفاق:
الخطر الأول يتمثل في أن الاتفاق ثنائي بين حكومتي إسرائيل ولبنان، في حين أن “حزب الله” غير ملزم به، بل يرفضه بدعم مباشر من إيران. ووفق التقرير، فإن قدرة الحزب على تعطيل المسار لا تزال قائمة، ما قد يقود إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة: تصعيد داخلي قد يصل إلى حرب أهلية، استمرار المواجهات الميدانية بين إسرائيل و”حزب الله”، أو نجاح الجيش اللبناني في مناطق تجريبية في نزع سلاح الحزب.
أما الخطر الثاني فيرتبط بالترابط بين مسألة نزع سلاح “حزب الله” وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، إذ يرى التقرير أن كل طرف يستخدم هذا الملف كورقة ضغط على الآخر، ما يخلق “حلقة مفرغة” تمنع التقدم الفعلي، حيث تعتبر إسرائيل أن الانسحاب غير ممكن قبل نزع السلاح، فيما يقدّم “حزب الله” الوجود الإسرائيلي ذريعة لاستمرار المواجهة.
ويتمثل الخطر الثالث في غياب آلية تنفيذ واضحة وملزمة، رغم الحديث عن إنشاء لجنة مشتركة بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة. ويشير التقرير إلى أن غياب معايير محددة لتقييم الالتزام بالاتفاق قد يؤدي إلى تعطيل تطبيقه، مستذكرًا تجربة “خارطة الطريق” عام 2003 التي واجهت صعوبات مماثلة في التنفيذ رغم وضوح أهدافها النظرية.
ويؤكد التقرير أن التحدي الأكبر لا يكمن في النصوص، بل في قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها وتنفيذ التزاماتها، في ظل واقع داخلي معقد وتعدد مكونات المجتمع اللبناني، حيث يشكل الشيعة نحو ثلث السكان، ما يجعل أي قرار بنزع سلاح “حزب الله” عرضة لحساسيات داخلية قد تؤدي إلى اهتزاز الاستقرار.
كما يحذر التقرير من أن أي محاولة لتسريع التنفيذ قد تصطدم بتوازنات داخلية هشة، خصوصًا في ظل المخاوف من عودة الانقسام الداخلي أو حتى انزلاق البلاد نحو اضطرابات أوسع، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب السابقة حاضرة في الذاكرة اللبنانية.
وفي المقابل، يشدد التحليل على أن الهدف الأساسي من الاتفاق يجب ألا يقتصر على نزع سلاح “حزب الله”، بل على تعزيز تدريجي لمؤسسات الدولة اللبنانية، من الجيش إلى الإدارة المحلية، باعتبار أن تقوية الدولة هي الشرط الأساسي لأي تغيير مستدام في ميزان القوى.
ويشير التقرير إلى أن مناطق “الفايلوت” المتفق عليها يمكن أن تشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها، ليس فقط أمنيًا بل أيضًا عبر تقديم الخدمات وإعادة الإعمار، بما يحد تدريجيًا من نفوذ “حزب الله”.
ويخلص التحليل إلى أن أي تقييم لاتفاق لبنان لا ينبغي أن يقتصر على مسألة نزع السلاح، بل على قدرته على إنتاج واقع سياسي جديد يعزز الدولة اللبنانية تدريجيًا ويقلّص من دور القوى غير الحكومية، معتبرًا أن نجاح الاتفاق يقاس بقدرته على تحويل الإنجاز العسكري إلى تحول سياسي مستدام.
ويختم التقرير بالتأكيد أن جوهر التحدي يكمن في تحويل التفاهمات العسكرية إلى بنية سياسية جديدة، تكون فيها الدولة اللبنانية هي المركز الفعلي للسلطة، لا مجرد طرف ضمن معادلة معقدة تتداخل فيها الأدوار الإقليمية والداخلية.