وضعت واشنطن حكومة الرئيس نواف سلام أمام اختبار سياسي يتجاوز الإصلاحات الاقتصادية: اتخاذ خطوات لتعطيل الشبكات المالية الإيرانية وشبكات “حزب الله”، التي تتيح للحزب مواصلة نشاطه كقوة مستقلة وإعادة بناء قدراته العسكرية.
وفي مقال للدكتورة زوي ليفورنيك في مركز “ألما” الإسرائيلي، تناولت الباحثة لقاء وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بسلام ووزير المال ياسين جابر في واشنطن، في 28 أيلول. وبحسب بيان وزارة الخزانة، حضّ بيسنت الحكومة اللبنانية على اتخاذ إجراءات استباقية لتعطيل هذه الشبكات، مؤكداً أهمية الإصلاحات المالية لاستعادة الثقة بالنظام المصرفي.
أما البيان اللبناني، فركّز على التقدم في الإصلاحات وطلب الدعم الأميركي في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والتعاون مع البنك الدولي. وتناول الحد من استخدام النقد خارج النظام المالي ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، من دون تسمية “حزب الله”.
وترى الباحثة أن اختلاف التركيز يعكس الضغط على الحكومة: فهي تطلب دعماً لإعادة بناء الاقتصاد، فيما تطالبها واشنطن بالتحرك ضد أحد أكثر مراكز القوة حساسية في الداخل.
ولا يتضمن البيانان اتفاقاً على ربط المساعدات أو التمويل الدولي بتفكيك الشبكة المالية للحزب. لكن المركز يقدّر أن طرح الملفين معاً يعكس محاولة أميركية لتحويل حاجة لبنان إلى التعافي المالي إلى ورقة ضغط سياسية. ويبقى السؤال ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى إجراءات ملموسة، أم إلى تعهدات وتدابير يستطيع الحزب الالتفاف عليها.
وتنبع أهمية المطلب الأميركي من دور التمويل في دفع مستحقات عناصر الحزب وشراء الأسلحة وتأهيل بنيته التحتية، إلى جانب تشغيل مؤسساته الاجتماعية ومساعدة قاعدته الشعبية الشيعية.
وبحسب دراسة سابقة للمركز، يؤدي “القرض الحسن” دوراً في الحفاظ على ارتباط الحزب بقاعدته. ففي مرحلة إعادة الإعمار، تعزز القروض والمساعدات موقعه كجهة داعمة للمتضررين، وتكرّس اعتمادهم على مؤسساته.
ويضع المركز “القرض الحسن” ضمن شبكة أوسع، تشمل صرّافين يتهمهم بالمساهمة في تحويل الأموال وتبييضها لمصلحة الحزب، مستفيدين من التراخيص القانونية والعلاقات التجارية وضعف إنفاذ القوانين.
وتتيح آليات الحوالة نقل القيمة المالية عبر تسويات بين وسطاء في دول مختلفة، من دون تحويل مصرفي مباشر بين مصدر الأموال ووجهتها، بالتوازي مع تهريب النقد. ويشير المركز إلى أن مسارات بديلة، بينها تركيا، تساعد الحزب على التعامل مع تعطّل قنوات تمويله.
وجاء لقاء واشنطن بعد سلسلة إجراءات أميركية. ففي شباط 2026، فُرضت عقوبات على شركة تجارة الذهب “جود”، التي تعمل، بحسب وزارة الخزانة، تحت إشراف “القرض الحسن”، وتحول احتياطيات الذهب إلى أموال متاحة لإعادة بناء قدرات الحزب.
وفي آب 2026، فُرضت عقوبات على 10 أشخاص ضمن شبكة لنقل النقد عبر رحلات تجارية بين إيران وتركيا والإمارات ولبنان. وفي أيلول 2026، استهدفت إجراءات إضافية صرّافين ووسطاء ضالعين في تحويل التمويل من “فيلق القدس” إلى “حزب الله”.
وتستهدف هذه التدابير سلسلة التمويل من مصدر الأموال إلى الجهات التي تديرها محلياً، لكنها لا تغلق بمفردها مكتب صيرفة في بيروت، ولا تمنع جمعية من العمل، ولا توقف ناقلاً للأموال في المطار. لذلك، ترى الباحثة أن دعوة بيسنت تهدف إلى تحميل الحكومة مسؤولية تعطيل الشبكات على أراضيها.
وتتطلب قدرة الحزب على التكيّف متابعة مستمرة. ففي دراسة أجراها المركز في أيلول 2026، رصد مؤشرات إلى احتمال انتقال “القرض الحسن” من فروع ظاهرة إلى مراكز خدمات أصغر وأكثر تمركزاً ضمن بيئات مدنية وتجارية، مع توضيحه أنه لم يعثر على إعلان رسمي شامل بشأن نموذج التشغيل الجديد.
ويرى المقال أن استهداف الفروع أو إغلاق كيان محدد لا يكفي من دون متابعة انتقال نشاطه إلى هياكل بديلة.
ويمثل التحرك المالي ضد الحزب قراراً سياسياً وأمنياً، إذ يعدّ مؤسساته الاقتصادية مصدراً حيوياً لقوته، ويصوّر استهدافها كتهديد لقاعدته الاجتماعية. وبحسب المركز، يحدّ ضعف الدولة ونفوذ الحزب وحلفائه داخل المؤسسات والخشية من مواجهة داخلية من استعداد الحكومة للتحرك.
وتزيد التحديات القانونية والاجتماعية الملف تعقيداً. فـ”القرض الحسن” مسجّل كجمعية، لكنه يقدم خدمات شبيهة بالخدمات المصرفية، ما يستدعي تنسيقاً بين السلطات المعنية، وسط خلاف بشأن وضعه ومعارضة الحزب للإجراءات التي تستهدف عمله.
كما يعتمد مدنيون على خدمات المؤسسة. ومن دون بدائل خاضعة للتنظيم والرقابة، ترى الباحثة أن الحزب يستطيع استثمار معاناتهم لتصوير الإجراءات باعتبارها إضراراً بالجمهور وتصعيد الضغط على الحكومة.
ويدعو المقال إلى تحويل رسالة بيسنت إلى خطة بأهداف وجداول زمنية واضحة، تشمل توسيع العقوبات على الوسطاء والشركات البديلة، وإجراء تحقيقات مالية، والتدقيق في الملكية والسيطرة الفعلية، واتخاذ إجراءات تتعلق بالتراخيص، وتعطيل نقل النقد والذهب.
ويقترح ربط الدعم المستقبلي لمؤسسات الإنفاذ بنتائج قابلة للتحقق، مع تقديم مساعدة تقنية وتبادل المعلومات الاستخبارية، واتخاذ إجراءات بحق المسؤولين الذين يساعدون الشبكات عن علم أو يعرقلون إنفاذ القوانين.
لبنانياً، يوصي المركز بخطة مشتركة تضم السلطات المالية ووزارة الداخلية والجمارك والأجهزة الأمنية والقضاء، لفحص الأنشطة الفعلية للجمعيات والصرّافين والشركات، بدلاً من الاكتفاء بوضعها المسجّل رسمياً. ويدعو إلى توفير بدائل منظّمة للائتمان ومساعدات إعادة الإعمار، تقلل اعتماد المدنيين على مؤسسات الحزب.
ويخلص المقال إلى أن اختبار سلام يتمثل في قدرة حكومته على التحرك ضد البنية الاقتصادية للحزب الذي تسعى إلى إخضاعه لسلطة الدولة. فاحتفاظه بمنظومة مستقلة للتمويل ودفع مستحقات عناصره واستدامة الاعتماد على مؤسساته، يمنحه أساساً لإعادة بناء قوته العسكرية، ما يجعل معالجة هذه المنظومة، من منظور المركز، موازية لمعالجة ملف السلاح.