أكدت وزيرة البيئة تمارا الزين أنّ الحرب على لبنان خلّفت أضرارًا بيئية ومناخية تعرقل الجهود الوطنية للتخفيف من آثار تغيّر المناخ والتكيّف معه، مشيرةً إلى أنّ الانبعاثات المرتبطة بالحرب وإعادة الإعمار تُقدّر بما يعادل نحو 400 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون، من دون احتساب الكلفة المناخية جراء تصنيع الأسلحة وتوريدها إلى إسرائيل، في ظل غياب البيانات اللازمة من الجهات المصنّعة. وشدّدت على ضرورة حشد الدعم الدولي لمطالب لبنان بالحصول على تعويضات بيئية ومناخية، وتأمين التمويل اللازم لمعالجة الأضرار ودعم التعافي وإعادة الإعمار.
جاء كلام الزين في خلال اجتماع عقدته مع وفد من الاتحاد الأوروبي، بناءً على طلبه، ضمّ سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان، وسفيري السويد وبولندا، وممثلين عن سفارات فرنسا وإسبانيا وبلجيكا والدنمارك وهولندا. خُصّص الاجتماع لبحث أولويات العمل المناخي والطاقة النظيفة، في ضوء مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ “COP31” المقرر عقده في أنطاليا في تشرين الثاني المقبل، والنقاشات المرتقبة حول المناخ والطاقة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب تحديد أولويات التعاون بين لبنان والاتحاد الأوروبي.
ولفتت الزين إلى أنّ مساهمة لبنان في الانبعاثات العالمية لا تتجاوز 0.04%، فيما يُعدّ من البلدان الأكثر تأثراً بتداعيات تغيّر المناخ، ما يستدعي تعزيز الدعم الدولي له، ولا سيما من الدول الأكثر مسؤولية عن التغيّر المناخي.
وأوضحت أنّ تنفيذ الخطط اللبنانية حتى عام 2035 يتطلّب تمويلًا يُقدّر بنحو 13 مليار دولار، يتوزّع بين مساهمة الدولة واستثمارات القطاع الخاص والصناديق الدولية، وهو مبلغ يصعب تأمينه في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة والتحديات التي يشهدها العالم.
وأكدت أنّ لبنان يواصل، رغم أزماته المتشابكة، مواكبة العمل المناخي الدولي، بل يتقدّم في بعض جوانبه، إلا أنّ التحدّي الأساسي يبقى في تحويل الالتزامات والخطط إلى تنفيذ فعلي، في ظل محدودية الموارد والقدرات المتاحة.
وفي هذا السياق، أشارت إلى أنّ المواطن يطرح أسئلة مشروعة حول انعكاس السياسات والخطط المناخية على حياته اليومية، فيما يرتبط تنفيذ خطط التخفيف والتكيّف بجهوزية الوزارات المعنية وقدرتها على التنفيذ وتوافر التمويل. وأضافت أنّ هذه الأسئلة تكتسب أهمية مضاعفة في ظل الأزمات المتراكمة، حيث تتصدّر الأولويات الحاجة إلى تمويل إعادة الإعمار والتعافي من آثار الحرب، ما يفرض مقاربة تراعي احتياجات المواطنين والإمكانات المتاحة، وتتيح مواصلة العمل المناخي بالتوازي مع الاستجابة للحاجات الملحّة.
واسفت الزين لبطء آليات التمويل المناخي متعددة الأطراف، مشيرةً إلى أنّ انطلاق المشاريع قد يستغرق سنوات، تتبدّل خلالها أولويات الدول واحتياجاتها بين تقديم الطلبات وبدء التنفيذ. وشدّدت على ضرورة تطوير آليات تمويل أسرع وأكثر مرونة، تستجيب لواقع الدول التي تواجه أزمات متراكمة، ولا سيما في مرحلة التعافي بعد الحرب.
وعرضت الزين للخطوات التي يعمل عليها لبنان لتعزيز قدرته على الاستجابة للتحديات المناخية، مؤكدةً أهمية مأسسة العمل المناخي داخل الدولة. وأشارت إلى إدراج مديرية عامة للمناخ ضمن الهيكلية المحدّثة لوزارة البيئة، بما يعزّز قدرتها على التخطيط والتنسيق ومتابعة تنفيذ السياسات المناخية.
ولفتت إلى أنّ لبنان كان من أوائل الدول التي قدّمت، عام 2025، مساهمتها المحدّدة وطنيًا للمناخ بصيغتها الثالثة “NDC 3.0″، وخطة التكيّف الوطنية “NAP”، واستراتيجية التنمية طويلة الأجل المنخفضة الانبعاثات “LT-LEDS”، إضافةً إلى بدء العمل على إعداد قانون للمناخ ووضع الأطر القانونية والتنظيمية اللازمة للانضمام إلى أسواق الكربون.
وأوضحت أنّ أولويات لبنان تتقاطع مع عدد من أهداف الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في قطاعات الطاقة والنقل والزراعة، التي تشكّل محاور أساسية في خطط التكيّف والتخفيف من آثار تغيّر المناخ. وأشارت إلى أنّ استخدام الألواح الشمسية في لبنان ارتفع إلى اثني عشر ضعفًا خلال ثلاث سنوات من الأزمة، بين عامَي 2019 و2022، بما يعكس التحوّلات التي فرضتها الأزمتان الاقتصادية والطاقوية، وأهمية البناء عليها ضمن سياسة مناخية متكاملة.
وشكرت الزين الاتحاد الأوروبي على دعمه للبنان خلال السنوات الماضية، مؤكدةً أهمية مواصلة التعاون بما يخدم الأولويات الوطنية. ودعت إلى دعم الخطط الحكومية وتشجيع استثمارات القطاع الخاص اللبناني والأوروبي في لبنان، وتعزيز الدعم الدولي بما يتيح معالجة الأضرار البيئية ورفع قدرة البلاد على التعافي والصمود.
من جهته، أشاد الوفد الأوروبي، برئاسة سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان، بالتقدّم الذي أحرزه لبنان في العمل المناخي رغم الظروف والأزمات التي يواجهها، مهنّئاً الوزيرة الزين على الإنجازات التي حقّقتها وزارة البيئة خلال أشهر معدودة.
وعرض الوفد أبرز أوجه الدعم الذي قدّمه الاتحاد الأوروبي للبنان خلال السنوات الأخيرة، وأبدى اهتمامه بالاطلاع على أولويات لبنان وتوجّهاته المناخية، بهدف تحديد أهداف مشتركة للتعاون.
كما عرض أولويات الاتحاد في مجالي الطاقة النظيفة والعمل المناخي، مشدداً على تعزيز التعاون الدولي وتسريع التحوّل نحو الكهرباء النظيفة والابتعاد عن الوقود الأحفوري، وخفض انبعاثات الميثان، وتعزيز دور العلم في رسم السياسات المناخية، وتطوير التعاون في مجال التكنولوجيا النظيفة، بما في ذلك مبادرة “Electrify Now”.
وأكد الوفد أنّ التحوّل النظيف يشكّل ركيزة لتعزيز أمن الطاقة والقدرة التنافسية والمرونة في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية وتقلّبات أسعار الطاقة وتفاقم آثار تغيّر المناخ، مشدّداً على أهمية تضافر الجهود الدولية لدفع العمل المناخي قدماً.