في وقتٍ كان يُفترض أن يفتح «اتفاق الإطار» طريق التهدئة والانسحاب الإسرائيلي عبر التفاوض، تمضي إسرائيل في الاتجاه المعاكس، مواصلةً القصف والقتل والتهجير وجرف المنازل، فيما لم يُحدَّد موعد جديد لجولة المفاوضات بعد الجولة الأخيرة في روما.
وبالتوازي، يتصاعد الحديث في الإعلام الإسرائيلي عن «المنطقة الرمادية» في الجنوب، بما يثير مخاوف من تحويل الانتشار الإسرائيلي إلى واقع أمني دائم داخل الأراضي اللبنانية، بالتزامن مع إحكام السيطرة على مواقع استراتيجية، بينها مرتفعات تلة علي الطاهر، واستمرار الغارات على بلدات قضاء النبطية ومحيطها.
وفي كفررمان، دفعت البلدة ثمناً بشرياً باهظاً في واحدة من أكثر الليالي دموية، مع سقوط 13 شهيداً وعدد من الجرحى، وتدمير منازل وتهجير أهالٍ. فهل تستخدم إسرائيل التصعيد لفرض وقائع جديدة قبل استئناف التفاوض؟ وهل تتحول «المنطقة الرمادية» إلى أمر واقع، فيما يبقى «اتفاق الإطار» عاجزاً عن وقف القتل وإعادة الأرض؟
رئيس بلدية كفررمان الحاج عبدالله فرحات رسم صورةً لمجزرة تحمل عنوان الانتقام من الأطفال والمدنيين الأبرياء، مؤكداً أن «الناس كانوا نياماً في منازلهم، يعيشون بأمان الله، أهالٍ مع أبنائهم وأطفالهم، وقبل أن يستفيقوا، تغتالهم الطائرات وهم داخل منازلهم، ثم نبدأ بجمع أشلائهم من تحت الأنقاض وفي الشوارع».
وسأل مستنكراً: ماذا كان يفعل هؤلاء؟ وما ذنبهم؟ هؤلاء الناس يعيشون في أرضهم وينامون في منازلهم، فما المطلوب منهم؟
وأكد أن أيّ رأس في السلطة اليوم مسؤول عمّا يحصل، فهناك شعب في النهاية، فمن المسؤول عنه؟ الجنوب لمن يتبع؟ للبنان أم لدولة ثانية؟
وشدّد على أن مسؤوليته كرئيس للبلدية تفرض عليه الدفاع عن بلدته وأهلها، مؤكداً أن وجوده في موقع المسؤولية يرتّب عليه واجباً تجاههم، وقال: «أنا موجود على رأس سلطة بلدتي، فإذا كنت لا أريد القيام بواجبي تجاهها وتجاه أهلي، فلماذا أكون على رأس السلطة؟ يجب أن يكون هناك وعي أكبر من ذلك بكثير، وأن تتحرك السلطة سريعاً لحماية أبنائها».
وانتقل إلى «اتفاق الإطار»، متسائلاً عن جدواه، وقال: «هل نفعنا هذا الاتفاق؟ علينا أن نعيد حساباتنا ونستمر فيه إذا كان سيحقق مصلحة لبنان ويحمي أهله، أما إذا لم ينفعنا، فلماذا يجب أن نقف خلفه ونحن ندفع الفاتورة ولا نستفيد منه شيئاً؟».
وأكد أن الأهالي يتحملون تبعات هذه المأساة، في ظل الوجع الكبير الذي يعيشونه، مشدداً على أن «الفاتورة كبيرة، والقتل والدمار والتفجير مستمر».
وشرح أن ما يجري لا يقتصر على كفررمان وحدها، بل يتكرر في مختلف المناطق، قائلاً: «ليست المسألة فقط كفررمان ومجزرتها، بل هناك كل يوم مجزرة ودمار. فما السبب؟ وما الذريعة؟».
وشدّد رئيس البلدية على أن ما يجري يستدعي حضور الدولة وتحملها مسؤولياتها تجاه أهل الجنوب، مؤكداً أن المطلوب «دولة تستفيق، وسلطة تكون على قدر مسؤولياتها، أياً كان من يتولاها، وأن تذهب لتحمي أبناءها الذين لا تستطيع الدولة أن تعيش من دونهم، والذين تأخذ الضرائب منهم وتقوم على وجودهم».
وكشف رئيس البلدية أنه تلقّى اتصالات هاتفية من دوائر السراي الحكومي، ومن وزيري الاقتصاد والشؤون الاجتماعية، مؤكداً أنه أبلغ المتصلين بأنه لا يطلب مجرّد استنكار لما جرى، بل يطالب بتحرّك فعلي ومسؤول لوقف هذه الاعتداءات وحماية الأهالي.
وانتقد ما يعتبره غياباً للجدوى العملية من «اتفاق الإطار»، متسائلاً: «ماذا جنى لبنان منه؟». وقال: «أنتم وقّعتم اتفاقاً يتضمن عدم محاسبة العدو، والتعهد بعدم رفع دعاوى ضده أمام المحافل الدولية. فإذا كان الحاكم هو الخصم والحَكَم في الوقت نفسه، فأين الطرف الثالث الذي يستطيع أن يرفع الصوت ويقول إن هناك خللاً في ميزان العدالة؟».
وختم مؤكداً أن المطلوب اليوم ليس المزيد من بيانات الاستنكار، بل تحرّك فعلي يحمي الناس ويضع حداً لمسار التدمير الممنهج والقتل والتفجير، سائلاً: «إلى متى يبقى اللبنانيون يدفعون ثمن اتفاقات لا يشعرون بأنها تحميهم؟».