في ظل التصعيد العسكري المتواصل بين روسيا وأوكرانيا، ومع تلويح أوروبا بفرض حزمة جديدة من العقوبات على موسكو، يعود المشهد إلى الواجهة مجددًا، وسط تساؤلات عن فشل الجهود الدبلوماسية، ولا سيما مخرجات قمة ألاسكا التي كانت تُعوَّل عليها لفتح نافذة تهدئة. وبينما تتقدّم القوات الروسية ميدانيًا على أكثر من محور، تتصاعد الأسئلة حول ما إذا كانت موسكو ستُعيد صياغة شروطها السياسية بناءً على ما تحققه عسكريًا. فهل نحن أمام مرحلة جديدة من الحرب تُغيّر توازناتها، أم أن التسوية لا تزال ممكنة رغم الضبابية السياسية والميدانية؟
الكاتب والمحلل السياسي الروسي أندريه أونتيكوف أوضح لـ”المدى” أن فكرة الهدنة الجوية لم تُطرح رسميًا أبداً. أما الخيار العسكري، فمن الواضح أنه لا يوجد توافق أو مؤشرات على قبول أوكرانيا بشروط روسيا، مما يجعل الخيار العسكري لا يزال مطروحًا بقوة في هذه الأزمة. المفاوضات الجارية في إسطنبول تقتصر فقط على الملفات الإنسانية مثل تبادل الأسرى والجرحى، في حين أن الجانب الأوكراني لا يبدو مستعدًا لمناقشة أو حتى الاعتراف بالملفات السياسية والعسكرية والواقع الجديد الذي فرضته التطورات الميدانية.
وبناءً على هذا الموقف، لا توجد بدائل حقيقية سوى الاستمرار في العمليات القتالية، ومع تقدم الجيش الروسي، قد تفرض التطورات واقعًا جديدًا يدفع كييف إلى إعادة النظر في موقفها.
وإذ لفت أونتيكوف الى أن الدول الغربية تتخذ موقفًا منحازًا وتغضّ الطرف عن حقيقة أن النظام في كييف يواصل يوميًا شنّ هجمات بطائرات مسيّرة تستهدف مواقع داخل الأراضي الروسية، سأل: لماذا يُطلب من روسيا أن تمتنع عن الرد على تلك الهجمات؟ وقال: روسيا، في عملياتها، لا تستهدف البنية التحتية المدنية بل تركّز بشكل أساسي على الأهداف العسكرية، بما في ذلك مصانع إنتاج الأسلحة، لا سيما المسيّرات، ومحطات تكرير الوقود الذي يُستخدم في تشغيل الدبابات والمدرعات الأوكرانية. لا مصلحة لروسيا في ضرب البنية التحتية المدنية، بل إن الهدف العسكري واضح، وهو تقويض القدرات القتالية الأوكرانية. ففي ظل غياب أي أفق لتسوية سياسية، فإن التركيز لا يزال على ساحة المعركة، وعلى الحد من قدرة أوكرانيا على تعزيز جبهاتها بالسلاح والوقود.
وذكّر أونتيكوف بأن الدول الأوروبية والغربية فرضت عقوبات قاسية على روسيا، لكنه استبعد أن تؤثر العقوبات الجديدة تأثيرًا جذريًا على الاقتصاد الروسي، الذي أثبت صموده رغم بعض الأضرار المحدودة. فالعقوبات دفعت روسيا للتخلي عن الأسواق الغربية والاتجاه نحو الأسواق الشرقية والآسيوية، حيث وجدت بدائل استراتيجية لتصدير النفط والغاز والمعادن إلى دول مثل الصين والهند والدول العربية .وبالتالي، أعادت روسيا هيكلة علاقاتها الاقتصادية والتجارية، ووسّعت شراكاتها مع شركاء جدد بعيدًا عن الضغوط الغربية.
وأشار أونتيكوف إلى أن روسيا، رغم التصعيد الأوروبي، تتصرف وفق منطق يحاول تجنّب الإضرار بمصالحها الذاتية. فالعقوبات التي فرضتها الدول الأوروبية، منذ ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014 وحتى الآن، ألحقت بالفعل بعض الضرر بالاقتصاد الروسي، لكنها انعكست أيضًا بشكل سلبي على الاقتصادات الأوروبية، وتسببت بخسائر تقدر بعشرات وربما مئات المليارات من الدولارات.
وقال: إذا كانت الدول الأوروبية مستعدة للتضحية بمصالحها الاقتصادية والتجارية، فهذا خيار سيادي لا يمكن لروسيا أن تمنعه، لكنه في الوقت ذاته لا يُلزم موسكو باتباع النهج نفسه. فروسيا لا تتبنى مبدأ التصعيد الاقتصادي لأجل التصعيد، بل تتصرّف انطلاقًا من حرصها على حماية مصالحها الداخلية.
لكن هذا لا يعني أن موسكو لا تردّ. فالرد الروسي يتم ضمن منطق مدروس، يهدف إلى تقليص النفوذ الأجنبي في الاقتصاد الروسي وتعزيز السيادة الاقتصادية. وفي هذا السياق، صادرت الحكومة الروسية عددًا من المصانع والشركات التي كانت مملوكة لجهات أوروبية، وتم نقل ملكيتها إلى الدولة أو إلى رجال أعمال روس، ضمن خطوات لتعزيز السيطرة الوطنية على القطاعات الحيوية.
وتابع أونتيكوف: لطالما عرقلت الدول الأوروبية أي مسار سياسي أو تفاوضي لحل الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، بل وحتى أي تفاهمات محتملة بين موسكو وواشنطن. ورغم أن المنطق يفترض السعي إلى حلول سياسية لإنهاء النزاع وتخفيف معاناة الجميع، إلا أن الأوروبيين، يتحركون وفق منطق مغاير، مدفوع بمخاوف سياسية داخلية.
ففي حال التوصل إلى اتفاق يُنهي الحرب، ستُطرح داخل أوروبا أسئلة محرجة: لماذا تم تسليح أوكرانيا وتمويلها بهذه الطريقة المكلفة؟ لماذا فُرضت عقوبات أضرت بالاقتصاد الأوروبي؟ ومن سيُحاسب على هذه الخيارات؟ هذه التساؤلات تهدد مستقبل قادة كثيرين في الانتخابات المقبلة، ما يجعلهم يفضلون إطالة أمد الأزمة، بدلاً من المجازفة بخسارة شعبيتهم.
بالتالي، فإن المنظور الأوروبي لا ينبع فقط من اعتبارات جيوسياسية أو تضامن مع كييف، بل أيضًا من حسابات سياسية داخلية تقود إلى عرقلة أي مسار حقيقي نحو السلام.
ورأى أونتيكوف أن الحل السياسي يبقى ممكنًا دائمًا، فكل الحروب تنتهي في نهاية المطاف على طاولة المفاوضات، سواء باتفاق سلام أو استسلام أو غيره. والسؤال في الأزمة الأوكرانية ليس عن إمكانية التفاوض، بل عن توقيته، وعن توافر الإرادة لبدء حوار حقيقي بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك مع الدول الغربية.
واكد ان الشروط الروسية معروفة: انسحاب القوات الأوكرانية من المناطق الأربع التي أصبحت جزءًا من روسيا (دونيتسك، لوغانسك، زاباروجيا، وخيرسون)، وقف الاضطهاد ضد الكنيسة الأرثوذكسية واللغة الروسية، حياد أوكرانيا، ورفض انضمامها للناتو أو الاتحاد الأوروبي، وتقليص حجم جيشها.
بمعنى آخر، تريد روسيا أوكرانيا كدولة حيادية فاصلة بين روسيا والغرب، وضمانات لسلام طويل الأمد، لا تسوية موقتة تؤدي إلى تجدد القتال لاحقًا.
وذكّر أونتيكوف بأن أوكرانيا تواجه أزمة حادة في تجنيد المزيد من الجنود لصفوف الجيش، إذ تشهد البلاد موجات هروب جماعية من الخدمة العسكرية، سواء بطرق قانونية أو غير قانونية، إلى دول أوروبية وغيرها. المواطنون لا يرغبون بالمشاركة في القتال، والسلطات تجد صعوبة متزايدة في تعبئة قوات جديدة. وغالباً ما يكون من يتم تجنيدهم من كبار السن أو ممن يعانون من مشاكل صحية، تجعلهم غير قادرين على القتال بفعالية.
هذه الظروف مرشحة لأن تؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى تحقيق مزيد من التقدم الميداني للقوات الروسية، وبالتالي إلى فرض واقع جديد على الأرض. ومع تغيّر هذا الواقع، ستتغيّر أيضاً شروط روسيا في أي مفاوضات مستقبلية.
لذلك، من المرجّح أن تستمر العمليات القتالية إلى أن تدرك القيادة الأوكرانية أن الوقت قد حان للبحث عن حل سياسي حقيقي، رغم كل الضغوط الغربية. وعندها، ربما تجد نفسها مضطرة لتقديم تنازلات واسعة تمهيداً لأي تسوية محتملة.
وأوضح أونتيكوف أن الحسم الميداني ممكن من الناحية العسكرية بالنسبة لروسيا، لكنه سيكون مكلفًا من حيث الخسائر البشرية في صفوف الجيش الروسي، ولهذا لا تتسرّع موسكو في خطواتها، بل تدير المعركة بحسابات دقيقة، وتحرص على تجنّب المغامرة بأرواح جنودها. ولذلك، تواصل الضغط العسكري المركّز على القوات الأوكرانية وعلى البنية التحتية العسكرية في أوكرانيا، معتمدة على استراتيجية الاستنزاف الطويل الأمد — سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي أو البشري. وفي نهاية المطاف، تراهن موسكو على أن هذا الاستنزاف سيخلق واقعًا جديدًا يخدم مصالحها ويُضعف موقف خصومها.
وذكّر بأن روسيا اقترحت هدنة إنسانية في بعض القطاعات والجبهات، لمدة يوم أو يومين، بهدف إجلاء الجرحى وانتشال جثث القتلى من ساحة القتال، لكن أوكرانيا تخلت عن هذه المبادرة. أما بالنسبة لهدنة موقتة أوسع تمتد لشهر أو ثلاثة أشهر، فموسكو ترفض هذه الفكرة تمامًا، لأنها تدرك أن كييف ستستغل هذه الفترة لإعادة التسلّح وحشد المزيد من القوات على الجبهات، ما يعني استئناف القتال لاحقًا بشروط أفضل للطرف الأوكراني.
من وجهة نظر موسكو، فإن مثل هذه الهدنة تصبّ في مصلحة الطرف الخاسر ميدانيًا، أي أوكرانيا، ولهذا هناك إصرار أوكراني وغربي كبير على الترويج لها. لكن روسيا ترى أن مثل هذه المبادرات لا تخدم هدف الاستقرار، بل تؤجل الصراع فقط. نحن لسنا بحاجة إلى هدنة موقتة، بل إلى تسوية سياسية حقيقية وسلام دائم يُنهي النزاع من جذوره.
وعن دور تركيا، ذكّر أونتيكوف بأن أنقرة تؤيد كييف، وهي تبني حالياً مصنعاً لإنتاج المسيّرات من طراز “بيرقدار” داخل الأراضي الأوكرانية، وهذا أمر معروف. كما أن أنقرة ترفض بشكل قاطع الاعتراف بانضمام شبه جزيرة القرم، وكذلك المناطق الأوكرانية الأربع الجديدة، إلى روسيا. ومع ذلك، تستضيف تركيا مفاوضات بين روسيا وأوكرانيا في إسطنبول، وقد أسفرت هذه المفاوضات عن بعض النتائج، لا سيما في المجال الإنساني.
من هذا المنطلق، ترى موسكو أن تركيا تُعد شريكاً مهماً لكل من روسيا وأوكرانيا؛ فهي دولة قريبة جغرافياً من أوكرانيا، ولها علاقات جيدة معها، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات اقتصادية وتجارية وسياسية قوية مع روسيا. صحيح أن هناك بعض الخطوات التركية التي تعتبرها موسكو غير بنّاءة، إلا أن هناك أيضاً مبادرات تركية تراها روسيا إيجابية، وقد تساهم في التوصل إلى حل للأزمة الأوكراني.