قال رئيس الجمهورية جوزاف عون، الأربعاء، إن العلاقات بين لبنان وتركيا تمتلك مقومات الانتقال إلى مستويات متقدمة من التعاون، مؤكدا أن بلاده تعوّل على أنقرة للإسهام في التعافي الاقتصادي، ودعم تنفيذ اتفاق “صيغة الإطار”، وتعزيز الاستقرار في جنوب لبنان.
وأوضح عون، في مقابلة خاصة مع وكالة “الأناضول” قبيل أول زيارة رسمية يجريها إلى تركيا، الخميس، أن “تركيا تحتل موقعا محوريا في المشهد الإقليمي الراهن، وأن التنسيق معها ضرورة استراتيجية، وليس خيارا ظرفيا”. ورأى أن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وعلاقاتها الإقليمية الواسعة، تؤهلانها للقيام بدور داعم في الترويج الدولي لـ”صيغة الإطار”، وتشجيع الأطراف المعنية على الالتزام الكامل ببنوده. وقال إن “تركيا يمكن أن تسهم في إنجاح هذا المسار، خصوصا أن الإطار الذي تمخض عن جولات التفاوض في واشنطن وروما يتطلب مواكبة إقليمية ودولية واسعة لضمان تنفيذه على الأرض”.
وأضاف عون: “نحن ملتزمون بتنفيذ ما وقعنا عليه في واشنطن، لكن نجاح هذا الاتفاق مرهون بضمانات واضحة، أبرزها انسحاب إسرائيلي كامل ومتزامن مع انتشار الجيش اللبناني، ووقف نهائي للخروقات والاعتداءات التي لا تزال تطال الجنوب، وآلية دولية فاعلة للتحقق من التزام الطرفين، بحيث لا تتحول الالتزامات اللبنانية إلى خطوة أحادية الجانب في غياب مقابل إسرائيلي”.
وتابع: “ندعو تركيا، بحكم ثقلها الإقليمي وعلاقاتها المتعددة، إلى دعم هذا المسار سياسيا ودبلوماسيا، بما يعزز فرص نجاحه، ويحول دون تحوله إلى اتفاق منقوص التنفيذ، والإسهام في دعم توجهات لبنان لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز الجهود الدولية الهادفة إلى منع أي فراغ أمني في الجنوب، بما ينسجم مع حرصنا على استقرار هذه المنطقة الحساسة”.
وفيما يتعلق بالدور الذي يمكن أن تؤديه تركيا في دعم سيادة لبنان واستقراره، قال عون إن “أنقرة، باعتبارها دولة إقليمية فاعلة، تملك أدوات تأثير حقيقية، ويمكنها الإسهام في دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمتها الجيش، بما يعزز بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي”. وأضاف أن “تركيا تستطيع أيضا توظيف علاقاتها للمساهمة في ضبط الحدود الشرقية والشمالية، ومنع أي تهريب للسلاح أو تسلل يهدد الأمن اللبناني”.
وتابع عون: “نحن لا نطلب من تركيا دورا بديلا عن الدولة اللبنانية، بل دورا داعما ومكملا، ينسجم مع سعينا إلى حصر السلاح بيد الشرعية وتثبيت الاستقرار بعد سنوات من الحرب”. وأشار إلى تطلع بلاده إلى تعزيز التعاون مع تركيا في دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، ولا سيما الجيش، وفتح آفاق جديدة للتعاون في ملفات استقرار الحدود ومكافحة انتقال السلاح غير الشرعي.
وقال: إن العلاقات اللبنانية التركية تمتلك مقومات الانتقال إلى مستويات متقدمة من التعاون، لافتا إلى أهمية الدور التركي في المرحلة المقبلة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية. وأضاف: “من هذا المنطلق، نتطلع إلى خطوات ملموسة تشمل تعزيز التنسيق بين البلدين الصديقين، ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وبخاصة الجيش، إلى جانب فتح آفاق جديدة للتعاون في الملفات المرتبطة باستقرار الحدود ومكافحة انتقال السلاح غير الشرعي”.
وفي سياق آخر، أشار عون إلى أن لبنان يعوّل على قدرة تركيا على الإسهام في مسار التعافي الاقتصادي عبر الاستثمار والتجارة وإعادة الإعمار. وقال إن ذلك يمكن أن يتحقق من خلال “تشجيع الشركات التركية على ضخ استثمارات مباشرة في القطاعات الإنتاجية اللبنانية، وتفعيل الاتفاقيات التجارية القائمة، وتذليل العقبات اللوجستية أمام تبادل السلع، بما يخفف العبء عن الاقتصاد اللبناني المتعثر، والاستفادة من الخبرة التركية الواسعة في مجال إعادة الإعمار”.
وحول التعاون العسكري بين البلدين، قال الرئيس عون إن الجيش اللبناني يحتاج إلى دعم متعدد الأوجه لتعزيز انتشاره وبسط سلطة الدولة، مشيرا إلى أن بلاده ستبحث مع تركيا توسيع برامج الدعم والتدريب العسكري القائمة. واضاف إن “الجيش اللبناني يخوض استحقاقا وجوديا في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وهذا يتطلب دعما متعدد الأوجه: تجهيزات ومعدات حديثة، وتدريبا متخصصا، ودعما لوجستيا يمكنه من الانتشار الفعلي في المناطق الحساسة، وبخاصة في الجنوب، حيث يفترض أن يترافق انتشاره مع انسحاب إسرائيلي كامل ومتزامن”.
وتابع عون: “سنطرح مع الجانب التركي إمكانية توسيع برامج الدعم والتدريب العسكري القائمة أصلا، خصوصا أن أنقرة أبدت في مناسبات سابقة استعدادها للمساهمة في تعزيز قدرات مؤسستنا العسكرية. لكننا، في الوقت ذاته، نؤكد أن أي دعم تركي يأتي إضافة إلى الدعم الأمريكي والدولي القائم، وليس بديلا عنه”.
وبشأن احتمال مشاركة تركيا في قوة دولية قد تحل محل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” جنوب البلاد، قال عون إن “هذا الملف لا يزال قيد النقاش، وثمة طروحات متعددة، منها ما يتحدث عن قوة أوروبية بقيادة فرنسية-إيطالية، ومنها ما يطرح مشاركة تركية بدعم من حلف الناتو، إلى جانب مقترحات أخرى تشمل دولا عربية وإسلامية”.
وأضاف: “بالنسبة لنا، الأولوية هي ضمان عدم حصول أي فراغ أمني بعد انتهاء ولاية اليونيفيل، وأي طرح لتشكيل قوة بديلة، بما في ذلك مشاركة تركية محتملة، سيُنظر إليه من زاوية واحدة: مدى قدرته على دعم الجيش اللبناني في بسط سلطته وضمان استقرار الجنوب”.
وتابع عون: “لسنا في وارد استبعاد أي شريك جاد في هذا المسار، لكن القرار النهائي يبقى مرتبطا بتوافق دولي أوسع، وبما يخدم السيادة اللبنانية أولا”. ولفت إلى أن “تركيا ساهمت، من خلال القوة البحرية التابعة لليونيفيل، في عملية حفظ السلام في الجنوب، وكانت هذه المشاركة فعالة في ضبط الحركة البحرية باتجاه لبنان على مر السنوات الماضية، بالتنسيق مع سلاح البحرية في الجيش اللبناني”.
وعن مدى تأثير رفض “حزب الله” أي مسار تفاوضي مع إسرائيل على جهود الدولة اللبنانية لاستكمال تنفيذ تفاهمات وقف إطلاق النار ومعالجة القضايا العالقة، قال عون: “لا يمكن التقليل من حجم هذا التحدي، فأي مسار تفاوضي أو تنفيذي يحتاج إلى حد أدنى من الإجماع الداخلي لينجح فعليا على الأرض”. وأضاف: “الدولة اللبنانية، ممثلة برئاسة الجمهورية والحكومة، هي الجهة الوحيدة المخولة دستوريا باتخاذ القرارات المتعلقة بالسيادة والأمن والعلاقة مع الخارج، وهذا ما نصر عليه باستمرار”.
وتابع عون: “في المقابل، ندرك أن نجاح تنفيذ تفاهمات وقف إطلاق النار ومعالجة القضايا العالقة، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة، يتطلب مقاربة تراكمية وحوارا داخليا مستمرا، بعيدا عن المواجهة، بحيث يقتنع الجميع بأن مصلحة لبنان العليا تكمن في دولة قوية بمؤسساتها الشرعية وحدها، لا في بقاء الانقسام حول قرارات الحرب والسلم”.
وفيما يتعلق بما يُتداول عن دور أو وساطة سورية في ملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، رغم نفي دمشق المتكرر لذلك، أكد عون أن القرار سيادي لبناني ولا يخضع لأي وساطة خارجية. وقال إن “قرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية هو قرار سيادي لبناني بامتياز، يُتخذ عبر الحوار الداخلي برعاية رئاسة الجمهورية ومؤسسات الدولة الشرعية، ولا مجال لأي وساطة أو تدخل خارجي فيه، سوريا كان أم غير سوري”.
وأضاف عون: “سبق للجانب السوري نفسه أن أكد مرارا، وعلى أعلى المستويات، عدم نيته التدخل عسكريا في الشأن اللبناني، وأن دعمه يقتصر على مساندة مبدأ حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، وهو موقف نرحب به وينسجم مع رؤيتنا لسيادة القرار اللبناني”. ولفت إلى أنه أكد، خلال لقاءاته مع الرئيس السوري أحمد الشرع، حرصه على أن يكون التنسيق بين البلدين على مستوى القيادتين السياسيتين، استنادا إلى احترام سيادة كل منهما وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وتابع عون: “أما ما يُثار من تصريحات أو تكهنات بشأن دور سوري أوسع، فهي اجتهادات إعلامية لا تعبر عن أي واقع تفاوضي أو موقف رسمي، ونحن حريصون دائما على تصويب أي التباس قد ينشأ بشأن هذا الملف الحساس”.
المصدر: الأناضول