لم تكن الهدنة بالنسبة إلى إيران محطة لخفض التصعيد، بل فرصة لإعادة التموضع. ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تراهن على اتفاق مؤقت يخفف التوتر ويعيد فتح مضيق هرمز، استغلت طهران تلك الفترة لتصدير نحو 70 مليون برميل من النفط، محققة ما بين 5 و6 مليارات دولار أعادت ملء خزائنها، قبل أن تعود إلى التصعيد بهجوم صاروخي على قاعدة أميركية في الأردن أودى بحياة جنديين أميركيين وأدى إلى فقدان ثالث. هكذا، تحولت الهدنة، بحسب تقرير “وول ستريت جورنال”، إلى مناورة منحت إيران التمويل اللازم لمواصلة الحرب.
وبحسب تقرير للصحافيين شيلبي هوليداي، ومايكل آر. غوردون، ولارا سيليغمان في صحيفة “وول ستريت جورنال”، قُتل جنديان أميركيان وفُقد ثالث إثر هجوم إيراني استهدف قاعدة “موفق السلطي” الجوية في الأردن، في أول خسائر بشرية تتكبدها القوات الأميركية بنيران معادية منذ مطلع شهر نيسان، ما يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام اختبار جديد بعدما كان قد أعلن سابقًا أنه سيعيد النظر في الحرب إذا تعرض الجنود الأميركيون للقتل.
وأوضح التقرير أن طهران فاوضت على اتفاق مؤقت لخفض التصعيد وفتح مضيق هرمز، لكنها استغلت فترة استمرت نحو شهر لزيادة صادراتها النفطية وتهريب عشرات ملايين البراميل، ما وفر لها سيولة مالية ضخمة استخدمت مباشرة في تعزيز قدراتها العسكرية، قبل أن تنفذ هجومها على القاعدة الأميركية في الأردن باستخدام صواريخ بالستية وطائرات مسيّرة متطورة.
وأشار التقرير إلى أن الهجوم على قاعدة “موفق السلطي”، التي تستخدمها الولايات المتحدة في عملياتها ضد إيران، نُفذ بواسطة صواريخ بالستية وطائرات مسيّرة عالية السرعة وقادرة على المناورة، ما أثار مخاوف في واشنطن من احتمال حصول طهران على دعم تكنولوجي من روسيا أو الصين.
وأكدت القيادة المركزية الأميركية “CENTCOM” أن 4 عسكريين أميركيين أُجلوا إلى مستشفيات في الأردن قبل أن يغادروها لاحقًا، فيما عاد مصابون آخرون بجروح طفيفة إلى الخدمة، كما تعرضت طائرات مأهولة وأخرى مسيّرة كانت موجودة داخل القاعدة لأضرار خلال الهجوم.
ولفت التقرير إلى أن منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية “THAAD” المنتشرة في القاعدة سبق أن تعرضت لاختبارات مماثلة، بعدما أصيب رادارها في هجوم بطائرة مسيّرة خلال شهر آذار الماضي، ما اضطر الولايات المتحدة إلى استبدال أحد مكوناته. وبذلك يرتفع عدد العسكريين الأميركيين الذين قتلوا في هذه الحرب إلى 15.
وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن مقتل العسكريين “سيزيد من صلابة عزيمة الولايات المتحدة”، فيما توالت ردود الفعل في الكونغرس، إذ قدم رئيس مجلس النواب مايك جونسون تعازيه، بينما دعت السيناتورة جين شاهين الرئيس ترامب إلى “التفاوض لإنهاء هذه الحرب الكارثية”. في المقابل، توعد مجتبى خامنئي الولايات المتحدة بـ”دروس لا تُنسى” إذا واصلت هجماتها.
وفي إطار الرد العسكري، دفعت الولايات المتحدة بتعزيزات جوية واسعة إلى المنطقة، شملت مقاتلات F-16 من قاعدة سبانغدالم في ألمانيا، القادرة على استهداف الرادارات، إضافة إلى مقاتلات الشبح F-35 القادمة من قاعدة لاكنهيث في بريطانيا، وطائرات للتزود بالوقود جوًا.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضح التقرير أن إيران اعتمدت أسلوبًا معروفًا لتجاوز العقوبات، عبر نقل النفط في عرض البحر قبالة السواحل الماليزية إلى سفن أخرى، قبل بيعه بأسعار مخفضة لمصافٍ خاصة في الصين. ونقل عن جوناثان بانيكوف من المجلس الأطلسي قوله إن “النظام الإيراني يتوقع أن يعطي الأولوية للإيرادات لتحقيق أهدافه الاستراتيجية، وفي مقدمتها الحرب ضد الولايات المتحدة”.
وفي السياق نفسه، أعلنت القيادة المركزية الأميركية بدء موجة جديدة من الغارات الجوية المكثفة داخل إيران، هي الثامنة على التوالي، مؤكدة أن الضربات تستهدف معاقبة الحرس الثوري على الهجمات ضد القوات الأميركية، والاستمرار في استنزاف قدراته الاستراتيجية.
وأشار التقرير إلى أن طبيعة الأهداف الأميركية تغيّرت، فبعدما كانت الضربات تركز في بداية العمليات على الرادارات ومستودعات الطائرات المسيّرة ومنصات الإطلاق، توسعت الآن لتشمل مواقع مراقبة وبنى تحتية لوجستية ومستودعات أسلحة تحت الأرض، إضافة إلى خطوط إمداد حيوية، بينها جسور وسكك حديدية تؤدي إلى مدينة بندر عباس الساحلية، في محاولة لضرب البنية التي تسمح لإيران بمواصلة الحرب.
وأضاف التقرير أن المحلل السياسي تمير موراغ رأى أن المعطيات المتراكمة خلال الأيام الأخيرة ترسم ملامح جديدة للمواجهة مع إيران، حتى وإن كانت لا تشكل دليلًا قاطعًا على اندلاع حرب شاملة، مشيرًا إلى أن نمط التحرك الأميركي تبدل، بدءًا من تحذيرات وزارة الخارجية لرعاياها، مرورًا بإخلاء طائرات من قواعد في الخليج، وصولًا إلى نشر عشرات المقاتلات الحديثة في قواعد ببريطانيا وإسرائيل.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن هذه التحركات، بالتوازي مع البيانات الصادرة عن البيت الأبيض، رفعت مستوى التوتر إلى ذروته، فيما كثفت طهران هجماتها على أهداف في الكويت والأردن والسعودية، في مؤشر إلى أنها استثمرت الهدنة لتعزيز مواردها وقدراتها، قبل أن تعود إلى التصعيد العسكري، في مسار قد يدفع المنطقة بأسرها نحو مواجهة مفتوحة.