لم تعد الأخطار الوجودية التي تقلق إسرائيل محصورة، وفق قراءة إسرائيلية حادة، بإيران والصواريخ والجبهات العسكرية، إذ يبرز تهديد من نوع آخر قد تكون تداعياته أبعد مدى: التآكل المتسارع في العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وسط تحذير من أن بقاء بنيامين نتنياهو في السلطة بعد انتخابات 27 تشرين الأول قد يدفع هذا التحالف إلى أزمة عميقة.
وبحسب مقال للصحافي دان بيري في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، فإن استمرار نتنياهو في الحكم بعد الانتخابات سيضع العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن “في خطر”، معتبرًا أن ما يجري يشكل “خطرًا وجوديًا”، لأن الأسس السياسية التي بُني عليها أهم تحالف لإسرائيل تتآكل بسرعة كبيرة.
ويربط بيري هذا التراجع بعدة عوامل، بينها أعداد القتلى في غزة، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، ووجود شخصيات كإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش داخل الحكومة، إضافة إلى سياسات نتنياهو نفسه، بما فيها خطابه في الكونغرس ضد باراك أوباما والدور الذي ينسبه الكاتب إليه في جر الولايات المتحدة إلى حرب فاشلة مع إيران.
ويقول بيري إنه عاد أخيرًا من 10 أيام من الزيارات واللقاءات في الولايات المتحدة، وخرج بانطباع واضح مفاده أن نتنياهو “يدمر العلاقات الجيدة مع أميركا”، مضيفًا: “من دون أميركا، يا أصدقاء، لا توجد إسرائيل على المدى الطويل”.
وبحسب المقال، لم يعد التغير في النظرة إلى إسرائيل محصورًا بالديمقراطيين أو بالتقدميين أو المسلمين، بل بات ملحوظًا أيضًا بين يهود وغير يهود وديمقراطيين وجمهوريين، بمن فيهم أشخاص كانت إسرائيل تشكل لسنوات جزءًا طبيعيًا من رؤيتهم السياسية.
ويشير الكاتب إلى أن إسرائيل اعتادت التعامل مع الدعم الأميركي كأنه حقيقة ثابتة، بحيث تتغير الإدارات والرؤساء وتظهر خلافات بشأن المستوطنات وإيران والفلسطينيين، لكن واشنطن تبقى في نهاية المطاف مصدر السلاح والاستخبارات والمساعدات المالية والحماية الدبلوماسية وقوة الردع.
إلا أن بيري يشدد على أن هذا التحالف ليس “قانونًا طبيعيًا”، بل نتيجة للسياسة الأميركية، وهذه السياسة تتغير بسرعة.
ويستند المقال إلى أرقام يعتبرها دراماتيكية، إذ أظهر استطلاع لمعهد “Pew” في ربيع 2026 أن 60% من الأميركيين يحملون نظرة سلبية إلى إسرائيل، مقارنة بـ42% عام 2022، فيما بلغت نسبة من يحملون نظرة إيجابية 37% فقط.
وبين الديمقراطيين ومؤيديهم، بلغت نسبة من ينظرون بإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية في أيار 16% فقط.
كما تراجعت النظرة الإيجابية إلى الإسرائيليين أنفسهم بين الديمقراطيين من 62% عام 2022 إلى 43% في 2026.
ويرى بيري أن غزة سرّعت المسار، لكنها لم تبدأه، إذ يظهر تحليل لشركة “Gallup” أن التفوق الكبير الذي تمتعت به إسرائيل على الفلسطينيين في الرأي العام الأميركي بدأ بالتآكل منذ نحو عام 2019.
وفي شباط 2026، قال 41% من الأميركيين إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36% مع الإسرائيليين، بعدما بلغ متوسط التفوق الإسرائيلي بين عامي 2001 و2018 نحو 43 نقطة.
ويحمّل الكاتب نتنياهو جزءًا أساسيًا من المسؤولية، معتبرًا أنه حكم إسرائيل خلال معظم الفترة التي تدهورت فيها العلاقات، وربط إسرائيل بصورة متزايدة بطرف واحد من النظام السياسي الأميركي، أي الجمهوريين، رغم وجود تيارات معادية لليهود داخل هذا المعسكر أيضًا.
كما يشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الكونغرس، جزئيًا بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وأن كثيرًا من الأميركيين يحملون نتنياهو جزءًا من المسؤولية عن ذلك.
ورغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يزال يدعم إسرائيل، فإن الكاتب يلفت إلى أن الجيل الجديد من السياسيين الأميركيين نشأ على صورة مختلفة تمامًا عن إسرائيل مقارنة بالجيل الذي تشكّل وعيه على حرب الأيام الـ6 وعملية عنتيبي والسلام مع مصر.
وبالنسبة إلى كثير من هؤلاء، باتت الصور المؤسسة لعلاقتهم بإسرائيل هي غزة والمستوطنات ونتنياهو وبن غفير وسموتريتش، وهي شخصيات، بحسب الكاتب، بات الأميركي العادي يعرفها ويكن لها نفورًا شديدًا.
ويعتبر بيري أن التحول الأخطر يظهر داخل أوساط يهود الولايات المتحدة، الذين كانوا لعقود أحد أبرز الأصول الاستراتيجية لإسرائيل، بفضل حضورهم في السياسة والقضاء والتمويل والأكاديميا والإعلام والثقافة والعمل الخيري.
وساهم هذا النفوذ، بحسب المقال، في جعل دعم إسرائيل موقفًا طبيعيًا حتى داخل أميركا الليبرالية.
ويلفت الكاتب إلى أن المال كان جزءًا أساسيًا من هذه المعادلة أيضًا، مشيرًا إلى أن “إيباك” وحدها حولت في عام 2024 نحو 25 مليون دولار إلى الديمقراطيين ونحو 17 مليونًا إلى الجمهوريين.
وبحسب تحليل لأكبر 100 متبرع فدرالي في انتخابات 2024، كان المتبرعون الذين عُرّفوا على أنهم يهود مسؤولين عن نحو 68% من الأموال التي وصلت من كبار المتبرعين إلى الجانب الديمقراطي، وعن نحو 31% من الأموال التي وصلت إلى الجمهوريين.
ويختصر بيري هذه المعادلة بالقول إن اليهود ساهموا إلى حد كبير في دعم أميركا لإسرائيل، “ومن دون هذا الدعم لا يوجد سلاح جو”.
لكن هذا النموذج، وفق المقال، يتآكل بدوره.
فقد أظهر استطلاع أُجري عام 2025 لصالح الاتحادات اليهودية في أميركا الشمالية أن 37% فقط من يهود الولايات المتحدة يعرّفون أنفسهم بأنهم صهاينة.
وفي استطلاع أجراه “Jewish Electorate Institute” في آذار 2026، بلغت النسبة 34% فقط، رغم أن غالبية أكبر بكثير ما زالت تؤيد حق إسرائيل في الوجود.
أما بين اليهود الديمقراطيين، فلم تتجاوز نسبة من يعرّفون أنفسهم بأنهم صهاينة 30%، فيما حمل نحو 60% منهم نظرة سلبية إلى نتنياهو، وأعرب 56% عن قلق عميق من أن سياسات إسرائيل في عهده تزيد معاداة السامية والعداء لإسرائيل.
ويقول بيري إن هؤلاء هم تحديدًا من تحتاج إليهم إسرائيل: المحامون ورجال الأعمال والأساتذة والصحافيون والمتبرعون والنشطاء والناخبون اليهود القادرون على شرح سبب اعتبار أمن إسرائيل مصلحة أميركية أيضًا.
لكنه يرى أن وجود حكومة يتمتع فيها بن غفير وسموتريتش بنفوذ مركزي، بالتوازي مع عنف متطرفين يهود في الضفة وتوسيع المستوطنات والدمار في غزة والصراع حول مؤسسات الدولة، خلق صورة لإسرائيل يصعب على كثير من أصدقائها القدامى في الولايات المتحدة الدفاع عنها.
وعن الاعتقاد الإسرائيلي بأن واشنطن تحتاج بدورها إلى إسرائيل وأن الأخيرة قوية بما يكفي للاعتماد على نفسها، يقر الكاتب بأن إسرائيل قوة عسكرية وتكنولوجية إقليمية ويمكنها زيادة الإنتاج المحلي للسلاح وبناء قدرات مستقلة، لكنه يشدد على أنه “لا يوجد بديل حقيقي للولايات المتحدة”.
فالولايات المتحدة، بحسب المقال، هي الدولة الوحيدة القادرة على توفير مزيج من السلاح المتطور والاستخبارات والقوة العسكرية والحماية في مجلس الأمن والتأثير على دول أخرى والردع.
ومنذ قيام إسرائيل، قدمت واشنطن نحو 174 مليار دولار من المساعدات الأمنية، فيما ينص مذكرة التفاهم الحالية وحدها على مساعدات أمنية بقيمة 38 مليار دولار خلال العقد الذي ينتهي عام 2028.
ويؤكد بيري أن هذه الأرقام لا تعكس القيمة الحقيقية للدعم الأميركي.
فعندما تحسب إيران حدود المواجهة، فإنها تضع الولايات المتحدة في الحسبان، وعندما تقرر الدول العربية كيفية التعامل مع إسرائيل، فإنها تعرف أن الأخيرة تتمتع بوصول استثنائي إلى المنظومة الأميركية.
وعندما تواجه إسرائيل عزلة دولية، تمنحها واشنطن وزنًا دبلوماسيًا لا تملكه بمفردها.
ويحذر الكاتب من أن بقاء نتنياهو قد يجعل التدهور يتراكم “ككرة ثلج”: شرط إضافي على المساعدات، مواجهة أخرى في الكونغرس حول السلاح، مرشح ديمقراطي جديد يكتشف أن الابتعاد عن إسرائيل يفيده انتخابيًا، ومزيد من الشباب اليهود الذين يشعرون بأن ارتباطهم بإسرائيل يتراجع.
وقد يؤدي هذا المسار، بحسبه، إلى اختفاء الفيتو الأميركي في مجلس الأمن، ثم ضغوط وعقوبات دولية، وتراجع مكانة إسرائيل الخاصة في أوروبا والإضرار بالتجارة معها.
ويرى بيري أن القوة المالية لأنصار إسرائيل لن تكون كافية وحدها لإنقاذ الوضع، لأن المال يكون فعالًا عندما يعزز إجماعًا موجودًا، لكنه يصبح أقل قدرة عندما يُطلب منه أن يحل مكان إجماع يتلاشى.
ومن هنا، يعتبر الكاتب أن انتخابات 27 تشرين الأول لا تشكل فقط استفتاء على 7 تشرين الأول أو غزة أو إيران أو تجنيد الحريديم أو محاكمة نتنياهو، بل أيضًا على “مكانة إسرائيل في أميركا”.
ويشدد على أن حكومة جديدة لن تمحو خلال ليلة واحدة سنوات الحرب ولن تحول إسرائيل إلى دولة يحبها اليسار الأميركي، كما أن الإسرائيليين سيبقون متشككين في القيادة الفلسطينية وقلقين على أمنهم ويحملون آثار صدمة 7 تشرين الأول.
لكن، بحسبه، يمكن لحكومة جديدة أن تكون شديدة الصرامة أمنيًا، وفي الوقت نفسه تغيّر بصورة دراماتيكية الطريقة التي تُرى بها إسرائيل في واشنطن وبين يهود أميركا.
ويمكن لهذه الحكومة، وفق طرحه، إبعاد المتطرفين عن مراكز القوة، والتحرك ضد ما وصفه بـ”الإرهاب اليهودي” في الضفة، ووقف الصدام مع مؤسسات الدولة، وتقديم إسرائيل للولايات المتحدة من جديد بوصفها جزءًا من الغرب الليبرالي الديمقراطي.
كما يمكنها إعادة فتح الباب أمام اليهود الأميركيين الذين يريدون دعم إسرائيل والبدء بإعادة بناء الائتلاف الأميركي الذي يستند إليه جزء كبير من أمنها.
أما إذا بقي نتنياهو، فيرى الكاتب أن الرسالة التي ستصل إلى الولايات المتحدة ستكون أن إسرائيل رأت الثمن الذي تدفعه، لكنها اختارت رغم ذلك الاستمرار في الاتجاه نفسه.
وعندها، قد تتسع الفجوة مع الديمقراطيين، ويتواصل تآكل العلاقة مع يهود أميركا، وتصبح إسرائيل أكثر اعتمادًا على حزب جمهوري واحد وعلى رئيس بعينه.
ويختتم بيري مقاله بتحذير مباشر، قائلًا إن إسرائيل اعتادت البحث عن أخطارها الوجودية في طهران وبيروت وغزة، لكنها يجب أن تبدأ بالنظر أيضًا إلى واشنطن ونيويورك والجامعات والجاليات اليهودية الأميركية.
ويقول إن التحالف مع الولايات المتحدة بُني على مدى أجيال على قاعدة سياسية أوسع بكثير من شخص واحد أو حزب واحد، وإن إسرائيل تعمل اليوم على تآكل هذه القاعدة بسرعة مقلقة.
ويخلص إلى أنه إذا فاز نتنياهو مجددًا في 27 تشرين الأول، فإن الأمر، من وجهة نظره، سيشكّل “خطرًا وجوديًا”، مختتمًا: “لا تقولوا إنكم لم تُحذَّروا”.