يسارع قادة الاتحاد الأوروبي إلى التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل غرينلاند يتيح للرئيس الأميركي دونالد ترامب إعلان “تحقيق نصر” في هذه القضية، من دون تقويض التحالف الذي يشكل حجر الزاوية في أمن أوروبا.
وتتراوح المقترحات المطروحة بين الاستعانة بحلف الناتو لتعزيز أمن القطب الشمالي، ومنح الولايات المتحدة تنازلات في مجال استخراج المعادن، إذ يميل قادة التكتل بقوة إلى خيار التوافق بدل المواجهة مع ترامب، وفق ما قاله ثلاثة دبلوماسيين ومسؤول أوروبي لمجلة “بوليتيكو”.
ويأتي التحرك السريع للبحث عن خطة في أعقاب تجديد الرئيس الأميركي تأكيده أن بلاده “تحتاج” إلى هذه الجزيرة، مع عدم استبعاده اللجوء إلى القوة للحصول عليه.
وعند سؤاله عن السيناريو المحتمل لنهاية ملف غرينلاند، قال الدبلوماسي الأوروبي الأول، إن ذلك قد يتمثل في صفقة تمنح ترامب “انتصاراً يمكنه الترويج له داخلياً”، مثل دفع الدول الأوروبية إلى زيادة استثماراتها في أمن القطب الشمالي، إلى جانب تعهد يتيح للولايات المتحدة الاستفادة من الثروات المعدنية لغرينلاند.
وأوضح الدبلوماسي، أن ترامب يبحث بالأساس عن “فوز” في ملف غرينلاند. وقال: “إذا أمكن إعادة صياغة أمن القطب الشمالي بذكاء ودمجه مع المعادن الحيوية وتقديمه بشكل جذاب، فهناك فرصة” لإقناع ترامب بالموافقة. وأضاف أن “التجارب السابقة”، مثل تعهد حلفاء الاتحاد الأوروبي بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، أظهرت أن “الأمور تسير دائماً بهذه الطريقة”.
وفي ما يخص الدفاع، مهد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، الطريق لصفقة محتملة عندما قال، الاثنين، إن دول الحلف تناقش سبل تعزيز أمن القطب الشمالي.
ورغم أن ملامح “الخطوات التالية” التي تحدث عنها روته لم تتضح بعد، فإن زيادة الاستثمارات من جانب الأعضاء الأوروبيين في “الناتو” تظل خياراً مطروحاً، بما ينسجم مع رغبة ترمب في أن تتحمل أوروبا جزءاً أكبر من مسؤولية أمنها.
أما في ملف استخراج المعادن، فما زالت التفاصيل أقل وضوحاً. غير أن مسؤولاً في الاتحاد الأوروبي، قال إن من بين الاحتمالات إبرام صفقة تضمن للولايات المتحدة حصة من أرباح استخراج المواد الخام الحيوية.
وفي الوقت الراهن، تظل القدرة على استخراج المواد الخام الحيوية من غرينلاند محدودة. وقد أمضت الدنمارك سنوات في السعي إلى استقطاب استثمارات لمشروعات طويلة الأجل، من دون نجاح يُذكر، في ظل تفضيل الدول الحصول على المعادن بأسعار أقل بكثير من الأسواق العالمية.
ويخطط الاتحاد الأوروبي لزيادة استثماراته في غرينلاند، بأكثر من الضعف ضمن ميزانيته طويلة الأجل المقبلة، بما في ذلك تمويل موجه لمشروعات المواد الخام الحيوية. وقد يشكل ذلك حافزاً لترمب لقبول صفقة استثمار مشترك.
لكن إذا كان الهدف الحقيقي لترامب هو معادن الجزيرة، فإن الدنماركيين عرضوا على الولايات المتحدة فرص الاستثمار في غرينلاند منذ سنوات، وهو عرض رفضه مسؤولون أميركيون، بحسب ما قاله عدة دبلوماسيين. وأضافوا أنه إذا كان اندفاع ترامب نحو غرينلاند مرتبطاً بالصين وروسيا، فيمكنه ببساطة أن يطلب من كوبنهاغن زيادة الوجود العسكري الأميركي على الجزيرة.
وقبل كل شيء، تسعى الحكومات إلى تجنب مواجهة عسكرية، وفق ما قاله الدبلوماسيون الثلاثة والمسؤول الأوروبي.
وحذر قادة من أن أي تدخل مباشر من الولايات المتحدة في غرينلاند، وهو إقليم تابع لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي والناتو، سيعني عملياً نهاية النظام الأمني الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
وقال دبلوماسي في الناتو، طلب من “بوليتيكو” عدم كشف عن هويته، إنه “لا يوجد بند (في معاهدة تأسيس الحلف عام 1949) يتناول تصوراً لهجوم من حليف في الناتو على حليف آخر”، مضيفاً أن ذلك سيعني “نهاية التحالف”.
وأكد أول دبلوماسي أوروبي أن الحفاظ على الناتو يظل أولوية التكتل القصوى. ورغم أن المسؤولين، سراً وعلناً، رفضوا بشدة فكرة أن أوروبا قد “تتخلى” عن جرينلاند لصالح الولايات المتحدة، فإن هذه التصريحات تعكس مدى يأس الحكومات من تفادي صدام مباشر مع واشنطن.
وقال دبلوماسي أوروبي رابع مشارك في مناقشات بروكسل حول كيفية رد التكتل: “الأمر خطير، وأوروبا خائفة”. ووصف دبلوماسي خامس اللحظة بأنها “زلزالية”، لأنها تشير إلى استعداد الولايات المتحدة لتمزيق 100 عام من العلاقات الراسخة.
وفي حين يتفق القادة الأوروبيون إلى حد كبير على أن أي صراع عسكري أمر غير مقبول، فإن التوصل إلى تسوية تفاوضية يثبت أنه أكثر تعقيداً.
وقال نائب دنماركي سابق مطلع على المناقشات إن الأوروبيين يواجهون الآن مهمة تحديد ما يمتلكونه في “أدوات” للرد على واشنطن، مضيفاً: “قواعد اللعبة المعتادة لم تعد صالحة”.
ويعتبر المسؤولون ذلك أكبر تحدٍ تواجهه أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وهم غير متأكدين من كيفية التعامل معه.