مع انتهاء سريان معاهدة «نيو ستارت» اليوم، آخر اتفاق ملزم يقيّد الترسانتين النوويتين الأكبر في العالم، الولايات المتحدة وروسيا، يقف العالم على مفترق طرق حقيقي. يدخل الأمن النووي مرحلة غير مسبوقة، حيث يهدد الفراغ الاستراتيجي الناتج عن انقضاء القيود القانونية على الترسانات الكبرى باندلاع سباق تسلح نووي جديد، ليس بين واشنطن وموسكو فحسب، بل في عالم متعدد الأقطاب يشمل الصين، الهند، باكستان، وكوريا الشمالية، وربما دولًا أخرى تسعى لحماية سيادتها.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل سيتمكن المجتمع الدولي من فرض قواعد مشتركة تحمي البشرية من الكارثة النووية، أم أن كل دولة ستسعى لتعزيز ترسانتها بشكل مستقل، ليصبح العالم أكثر خطورة؟
تطرح الأحداث الأخيرة تساؤلات إضافية: كيف ستتفاعل الدول مع التهديدات الحديثة غير النووية، من صواريخ بعيدة المدى، إلى الحرب الإلكترونية، إلى الذكاء الاصطناعي؟ وهل ستصبح الاتفاقيات التقليدية للحد من التسلح مجرد حدود شكلية للردع، بينما تتسع رقعة الصراعات والأسلحة الجديدة؟
تحذير البابا لاوون الرابع عشر يبقى أكثر صلة من أي وقت مضى: العالم بحاجة إلى استبدال منطق الخوف بعدم الثقة بـ«أخلاقية مشتركة» ومسؤولية جماعية، قبل أن تتحول المخاطر النظرية إلى واقع كارثي. فالفرصة لا تزال قائمة لتجنب التصعيد، لكن الوقت يداهمنا، وغدًا سيكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على ضبط سباق التسلح وحماية السلام العالمي.
وفي هذه اللحظة الدولية المشبعة بالتوتر والحروب المفتوحة وانهيار الثقة بين القوى الكبرى، يضع انتهاء المعاهدة الأمن العالمي أمام مقامرة تاريخية، قد تكون كلفتها أعلى بكثير مما يمكن للبشرية تحمّله.
مؤسس مركز “بروجن” للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية د. رضوان قاسم اعتبر أن العالم اليوم يقف على مفترق طرق، وأن العودة إلى الوراء لم تعد ممكنة، خاصة مع سعي الولايات المتحدة للسيطرة على مناطق نفوذ لم تتمكن من فرضها بالقوة الاقتصادية أو العسكرية.
وذكّر قاسم بأن معاهدة «ستارت» الأولى بدأت في 1991، ثم جُدّدت في 1993، وانتقلت لاحقًا بين الولايات المتحدة وروسيا حتى تجديدها الأخير في 2010. كان الاتفاق في البداية بين دولتين فقط، لكن العالم اليوم أصبح متعدد الأقطاب، ولم تعد الولايات المتحدة وحدها قادرة على تقرير مصير النظام الدولي.
ومع رفض الصين الانضمام إلى قيود مثل «نيو ستارت»، باعتبار نفسها في مواجهة مستمرة مع واشنطن، ستواجه أي محاولة لتجديد الاتفاق صعوبات كبيرة. الصين لن تقبل بأي قيود تحد من تطورها النووي، إضافة إلى وجود دول أخرى مثل كوريا الشمالية، باكستان، الهند، والملف النووي الإيراني، ما يجعل السيطرة الشاملة على الترسانات النووية أمرًا مستحيلًا عمليًا.
وأضاف قاسم: تشير التطورات الأخيرة، من توسع حلف الناتو شرقا ومحاولات تقسيم روسيا، إلى أن العديد من الدول أدركت أن السلاح النووي أصبح ضروريًا للحفاظ على سيادتها، خاصة بعد محاولات ترامب السيطرة على مناطق استراتيجية مثل غرينلاند وحتى كندا. وقد دفع هذا العديد من الدول إلى تعزيز ترساناتها النووية لضمان حماية سيادتها.
في المقابل، بدأت دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا أيضًا تحديث أسلحتها النووية، ما يزيد من تعقيد أي اتفاقية جديدة ويقلل من قدرة المعاهدات على فرض الالتزامات على الجميع.
وبالتالي، فإن أي نسخة جديدة من «نيو ستارت»، حتى إذا تم الاتفاق عليها، لن تشمل كل هذه الدول، وستظل المعاهدات مجرد حدود للردع، وليس وسيلة لضمان السيطرة الكاملة. اليوم، تتطور أسلحة أخرى تتجاوز نطاق الاتفاقيات النووية التقليدية، مثل الصواريخ العابرة للقارات متعددة الرؤوس، الهجمات السيبرانية، وحروب الذكاء الاصطناعي، ما يزيد من تعقيد المشهد الاستراتيجي ويضع الأمن الدولي أمام تحديات غير مسبوقة.
ورأى قاسم أن الولايات المتحدة، عبر شرط إدراج الصين في أي اتفاقية جديدة، ربما تهدف عمليًا إلى التخلص من الاتفاقية القديمة وفتح المجال لإطار أكثر ملاءمة لسياسات القرن الحادي والعشرين. من خلال هذا الشرط، تظهر الصورة وكأن الدول الأخرى هي المسؤولة عن عدم الالتزام، لا واشنطن، ما يعقّد أي مسار لتجديد الاتفاقية. وفي ظل رفض الصين، فضلاً عن موقف كوريا الشمالية والهند وباكستان، يبدو قبول جميع هذه الدول في الاتفاقية شبه مستحيل اليوم.
أما بالنسبة لروسيا، فقد أظهرت الأحداث الأخيرة في أوكرانيا، وتوسع حلف الناتو شرقًا، وانهيار حلف وارسو والاتحاد السوفيتي، أن موسكو تواجه محاولات لتطويقها واستهداف أمنها القومي من عدة اتجاهات. وقد أكّد بوتين أكثر من مرة أنه لن يتردد في استخدام ترسانته النووية إذا شعر بأن الأمن القومي الروسي مهدد، ما يجعل العودة إلى المعاهدة أمرًا غير ملائم لمصالح روسيا في الوقت الحالي.
ورأى قاسم أننا نتجه نحو سباق تسلح جديد، لكنه مختلف هذه المرة، لا يقتصر على الأسلحة النووية فقط، بل يشمل الصواريخ المتطورة، الحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي. وقال: الخوف الأميركي من صعود الصين وتوسعها في كل المجالات يجعل من تجديد معاهدة «ستارت» اليوم أمرًا شبه بروتوكولي أكثر منه فعالًا.
وختم قاسم بالقول: العالم الآن متعدد الأقطاب، ولكل دولة القدرة على تطوير وسائل دفاعية مستقلة، بعيدة عن الترسانة النووية. فقد أثبتت الأحداث الأخيرة، مثل حرب 12 يومًا مع إيران، أن قوة الصواريخ التقليدية وحدها قادرة على فرض التفاوض، بغض النظر عن التفوق النووي الأميركي. كما أن النزاع في اليمن أظهر كيف تمكنت الصواريخ والطائرات المسيّرة من إجبار القوى الكبرى على إعادة حساباتها، رغم وجود حاملات طائرات وترسانات نووية.
علاوة على ذلك، المحاولات الأميركية للسيطرة على مناطق استراتيجية مثل غرينلاند وكندا، وتحركات الدول الأوروبية لتعزيز قدراتها النووية، تؤكد أن كثيرًا من الدول لن تلتزم بالاتفاقية إذا شعرت أن مصالحها وسيادتها مهددة. كل دولة تسعى اليوم لامتلاك قدرتها الخاصة على الردع، ما يجعل أي نسخة جديدة من «ستارت» محدودة التأثير وفاقدة للفعالية العملية.
وفي هذا السياق، يبدو طرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بشأن ضرورة إدراج الصين في أي اتفاقية جديدة بمثابة عقدة استراتيجية تحاول الولايات المتحدة من خلالها إبقاء المبادرة في يدها، لكنها في الوقت نفسه تعكس واقعًا دوليًا جديدًا، حيث لم تعد واشنطن وحدها قادرة على التحكم بمصير الأمن العالمي.