صحيح أن حماسة المحامين لانتخاب 4 أعضاء لمجلس النقابة في بيروت منتصف الشهر المقبل أقلّ مما كانت عليه العام الماضي، حينما انتخبوا نقيباً (فاز عماد مارتينوس) و7 أعضاء. غير أن المعركة هذا العام يبدو أنها ستكون واحدة من الأقسى في تاريخ النقابة. وهو ما يتبدّى من التحالفات التي بدأت تلوح في الأفق قبل نحو شهرٍ من موعد الاستحقاق.
أول التحالفات المفاجئة للمحامين كان بين حزبي «القوات» و«الكتائب»، الخصمين اللدودين اللذين يملكان أكبر قوتين تجييريتين داخل النقابة. وهو ما يعزوه بعض المحامين إلى الإرباك في صفوفهما وتخوّفهما من عدم تمكنهما من إيصال مرشحَيْهما الحزبيَّيْن، رياض الشدياق (قوات) وإيلي قازان (كتائب)، لافتين إلى أنهما ليسا من «الأحصنة الرابحة» التي يُمكن لمعراب والصيفي الرهان عليها لكسب المعركة.
ويضاف إلى ذلك اعتبارات الحشد الانتخابي، إذ تتوقع الماكينات الانتخابية أن يراوح عدد المقترعين بين 3500 و4000 محامٍ على أبعد تقدير، بعدما وصل عدد المقترعين في انتخابات العام الماضي إلى أكثر من 5 آلاف مُحام، بسبب استثنائيتها (انتخابات نقيب و7 أعضاء).
ولا يستبعد عدد من المحامين أن يكون سبب اصطفاف «أوعى خيّك» عدم وضوح التحالفات حتى الآن، وكذلك قرار حركة أمل وحزب الله وتيار المستقبل عدم ترشيح أي حزبي والاكتفاء بدعم مستقلين. وهو ما يُصعِّب عملية «شانتاج» الأصوات.
تكتيك دعم المستقلّين
هذه الإستراتيجية، التي لم يُجرِّبها هؤلاء بشكلٍ جدّي خلال السنوات السابقة، قد تكون الأكثر قدرة على إدخال مرشحين مسلمين إلى مجلس النقابة، ضمن التوازنات القائمة. فكل التكتيكات الانتخابية التي اعتمدها «الثنائي الشيعي» في المعارك السابقة أفضت إلى حرمان الشيعة من التمثيل منذ أكثر من 11 سنة، فيما يعجز «التيار الأزرق» عن إيصال محازبيه منذ أكثر من 4 سنوات.
ولذا، قرّر «المسقبل» أن يتعامل بإيجابية مع ترشيح مايا شهاب، لا أن يقف في وجهها، كما فعل العام الماضي، على اعتبار أنها تحمل الإرث النقابي لوالدها، المحامي الراحل محمد شهاب، إضافةً إلى حضورها وشعبيتها بين المحامين، ولا سيما في صيدا، إلى جانب نجاح تجربتها كأمينة سر للنقابة. وعليه، تبدو شهاب الأوفر حظاً بين المرشحين السُّنّة.
وعلى الخطى نفسها، تسير حركة أمل التي كانت تميل إلى ترشيح المحامي سامر البعلبكي، قبل أن تصل النصائح إلى عين التينة بعدم ترشيح حزبي في ظل الظروف السياسية التي قد تُعقِّد تأمين تحالف مع الأحزاب المسيحية، وإن كان ذلك سيُصعِّب عليها ضبط قاعدتها الحزبية التي شهدت تفلّتاً في السابق.
وعليه، يبدو أن الحركة باتت متحمّسة لدعم المحامي المستقل وسام عيد (لم يصدر أي بيان رسمي بعد)، على اعتبار أنه كاد أن يربح العام الماضي في معركة خاضها وحيداً ومن دون دعم سياسي، وأثبت امتلاكه رصيداً شعبياً هو الأعلى بين المستقلين الشيعة. ويُعدُّ عيد من أكثر المحامين نشاطاً داخل النقابة. وهو ما يُلمس من كثافة الحضور في لقاءاته الانتخابية في معظم المناطق، ولا سيما أنه يشدّد خلالها، بما فيها تلك التي دعا إليها في صور قبل أيّام، على أنه مستقلّ وغير محسوب على أي طرف، ومنفتح على الجميع. وهو ما مكّنه سابقاً من حصد الأصوات من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال.
غير أن استقلاليّة عيد واعتدال مواقفه لم يحميَاه من مُحاولات حرق مراكبه لدى بعض المحامين المسيحيين، والتي بدأت باكراً تحت عنوان أنه «مرشح شيعي مدعوم من حزب الله»، علماً أن حزب الله لا يزال يدرس خياراته لجهة الانضمام إلى الحركة في دعم عيد أو الافتراق عنها، كما حصل العام الماضي، حينما دعم كلٌّ منهما مرشحاً شيعياً مختلفاً. ويتحدث البعض عن إمكانية دعم الحزب للمرة الثانية المرشّحة سهى الأسعد، على اعتبار أن تسويق ترشيحها أسهل ضمن حلقته الضيقة، وإن كانت من غير المحسوبين عليه.
وإلى عيد والأسعد، يبرز أيضاً ترشيح حسنين مراد، الذي يُعدُّ مستقلاً وله حيثيته داخل النقابة، وكان فاعلاً ضمن حملة المرشّح إلى منصب النقيب في وجه مارتينوس، إيلي بازرلي، وقبله النقيب فادي المصري. ولكن لن يحظى مراد، على الأغلب، بدعم «الثنائي الشيعي» أو الأحزاب المسيحية الأساسية، ما يُقلِّل من حظوظه.
خريطة التحالفات
وإذا كان عيد وشهاب هما أبرز المرشحين المسلمين، ويتمتّعان بدعمٍ من النقباء السابقين، فإن تأمين دعم لهما من الأحزاب المسيحية بات هو الأهم في الساعات الأخيرة، خصوصاً إذا ما شكّل تحالف «الكتائب» و«القوات» لائحة مُقفلة من 4 مقاعد، ما يعني حكماً الاختيار بين عيد وشهاب. فالمعركة تدور فعلياً على مقعدين إذا ما ضمن تحالف معراب والصيفي وصول مرشحَيهما، الشدياق وقازان.
ويشير متابعون إلى أن مارتينوس متحمّس لعيد، وينقلون عنه رغبته في ضمان الميثاقية في عهده، عبر إيصال مرشح شيعي. ولذا، يضغط على معراب لدفع محازبيها إلى تجيير الأصوات لعيد. وجَمع قبل يومين النقباء السابقين، الذين أصدروا بياناً دعوا فيه إلى «صون الشراكة والتوازنات»، في إِشارةٍ فُهمت على أنها دعم لعيد الذي يتبناه مارتينوس، علماً أن النقيبين السابقين فادي المصري وناضر كسبار غابا عن الاجتماع وتأييد مضمونه.
غير أن حماسة مارتينوس هذه لا تنطبق على شهاب، التي تحوز في المقابل على تأييد صلب من المصري، الذي يُحاوِل بدوره إقناع الصيفي بدعمها. لكن بعض المحامين يلفتون إلى أن النقيب الحالي يُحاوِل من تحت الطاولة دعم ميرنا طرابلسي لإضعاف ترشيح شهاب وتشتيت الصوت السُّنّي، كما دعم، قبل أيام، للغاية عينها، ترشيح محمّد حمد، الذي انسحب بتدخل من تيار المستقبل بهدف «توحيد الصوت السنّي»، مع الإشارة إلى أن حساسية مارتينوس تجاه شهاب تكمن في أنها مدعومة من خصمه، أي المصري!
وإلى حين اكتمال خريطة التحالفات، تجري الاجتماعات بين الأحزاب والمرشحين على قدمٍ وساق، لحسم إمكانية أن يدعم حزبا «القوات» و«الكتائب» مرشّحاً مسلماً واحداً. كما يرجّح المتابعون أن تحظى شهاب أيضاً بدعمٍ شيعي، في ظلّ العلاقة التاريخية التي كانت تجمع الجنوبيين بوالدها.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الاجتماعات التي تُعقد بين «المستقبل» من جهة، و«القوات» و«الكتائب» من جهة أخرى، صارت أقرب إلى إعلان تحالفٍ ثلاثي يُفضي إلى دعم شهاب، علماً أن المفاوضات بين «أمل» و«الكتائب» لم تتوقّف أيضاً.
في المقابل، يتحدّث متابعون عن معارضة مارتينوس لطرح «القوات» لشهاب مقابل دعم «المستقبل» لمرشح معراب، واشتراطه ألا تتسلّم شهاب أمانة السر (في حال فوزها) بناءً على العُرف المُتّبع. وهو ما رفضته شهاب، على اعتبار أنها انتخابات عضوية مجلس نقابة، وتوزيع المناصب داخله يحتاج إلى تفاهمات مختلفة، تحصل بعد العملية الانتخابية.
رغم ذلك، يخشى المتابعون من مفاوضات الساعات الأخيرة التي قد تغيّر مسار التحالفات، أو من نقض وعود تبادل الأصوات. فتعمد الصيفي أو معراب إلى تجيير الأصوات لمرشحيهما فقط، من دون رفدِ «الثنائي الشيعي» و«المستقبل» بأصوات وازنة، خصوصاً أن عيد وشهاب يُشكِّلان تهديداً حقيقياً لمرشحَي «القوات» و«الكتائب». غير أن آخرين يستبعدون ذلك، استناداً إلى أن القواتيين معروفون داخل النقابة بالتزامهم بالتجيير متى حصل التفاهم مع أي من الأطراف.
ترشيحات تُقلِق الصيفي ومعراب
إلى ذلك، يُشكِّل المرشحون المسيحيون من خارج «القوات» و«الكتائب» أيضاً خطراً على تحالف الخصمين التقليديين.
ومن هؤلاء مرشح التيار الوطني الحر، وسيم بو طايع، الذي خسر معركته في الانتخابات الماضية بفارق ضئيل، قبل أن يُصبِح العضو الرديف في مجلس النقابة قبل نحو شهر، عند تقديم المصري استقالته بسبب خلافات مع مارتينوس وعدد من الأعضاء. وفُهمت استقالة المصري حينها على أنها بداية لتحالفٍ كان يلوح في الأفق بين الصيفي وميرنا الشالوحي، قبل أن تقلب الأولى الطاولة.
وفي الآونة الأخيرة، نجح التيار في توحيد صفوفه حول اسم بو طايع بعدما حُكي عن معارضة داخلية. وإلى جانب رافعة أصوات ميرنا الشالوحي، فإن بو طايع يحظى أيضاً بحيثية داخل النقابة من المستقلين، كما بعض مفاتيح النقابة من السُّنّة والشيعة، يُضاف إليها احتمال أن ينال دعماً من «الثنائي الشيعي»، ما سيرفع من حظوظ خرقه لتحالف «الكتائب» و«القوات».
وكما بو طايع، يُعدّ المرشح إيلي قليموس من أكثر المحامين نشاطاً داخل النقابة، وسجّل حضوراً مميزاً في متابعته للملفات ضمن مجلسها، بعدما فاز بالمقعد في الانتخابات الأخيرة. كما يتمتّع قليموس بدعم من النقباء السابقين و«المفاتيح الانتخابية» داخل النقابة، كونه نجل النقيب السابق، أنطوان قليموس.
ويُرجِّح المتابعون أن تكون معركة قليموس الشهر المقبل مشابهة لمعركته في الاستحقاق الأخير، عبر تجيير «القوات» أصواتها لصالحه، من دون استبعاد أن يدعمه حزب «الكتائب» أيضاً.
ويبرز كذلك المرشح هادي فرنسيس، الذي يشكّل هو الآخر تهديداً حقيقياً للتحالفات الحزبية، كونه من المحامين النشيطين والمستقلين، ويملك رصيداً بين زملائه، معتمداً على تكتيك الـ«Man to Man». ويتبدّى التأييد لفرنسيس في اللقاءات الانتخابية الحاشدة التي يعقدها في المناطق، ولا سيما في المتن الذي يُعدُّ خزاناً شعبياً لانتخابات النقابة. وهو ما يمنحه إمكانية اختراق القواعد الحزبية، خصوصاً في ظل ما يُحكى عن دعمٍ قد يتلقاه من مارتينوس.
ويُعدُّ أيضاً ترشيح مهى زلاقط من الترشيحات القويّة التي يظهر حضورها في اللقاءات الانتخابية، علماً أن المتابعين يرجحون ألّا تنال دعماً من الأحزاب المسيحية.
ويظهر كذلك ترشيح حزب الوطنين الأحرار لجو نحول، من دون أن يتمكّن من تأمين دعم قواتي وكتائبي له.
أين «الاشتراكي»؟
بينما تنشغل الأحزاب والقوى المستقلة في نسج التحالفات، يغيب الحزب التقدمي الاشتراكي عن المشهد خلافاً لما كان عليه الوضع في انتخابات العام الماضي، حينما نجح في إيصال المرشح الدرزي المستقل، نديم حمادة، إلى مجلس النقابة، قبل انتخابه أميناً للسر.
ويُرجِّح متابعون أن تدعم كليمنصو ائتلاف حزبي «القوات» و«الكتائب»، كي تستفيد منه في الاستحقاقات المقبلة، لافتين إلى عدم حماسة «الاشتراكي» لتقديم المؤازرة لأيٍّ من المرشحين السُّنّة أو الشيعة، على اعتبار أن وصول أيٍّ منهم يعني استبعاد حمادة من أمانة السر، كون العرف يقضي بأن يشغل السُّنّة هذا المنصب.
مجلس الموارنة والذكور!
يراهن العديد من المحامين على إمكانية أن تفوز إحدى المرشحات في انتخابات مجلس نقابة المحامين في بيروت، الذي لا يضمّ أي امرأة، بعدما كانت مايا شهاب ومايا زغريني آخر العضوات اللواتي خرجن منه خلال السنوات الماضية. وقد لفت «مجلس الذكور» انتباه رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي توجّه إلى الأعضاء خلال زيارتهم الأخيرة له، بالقول: «استحوا»!
و«المزحة» نفسها سمعها هؤلاء لدى زيارتهم البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي فوجئ بأن جميع أعضاء مجلس النقابة موارنة، وأن الطوائف المسيحية الأخرى غير مُمثّلة فيه، وكذلك المسلمون، باستثناء الدروز عبر نديم حمادة. فقال لهم ممازحاً: «كيف تركوها إلنا؟».