كتبت “الأخبار”: “جاءت خطوة القضاء العسكري أمس ضد حزب الله، لتكشف عن محاولة جديدة لفتح مواجهة. حيث تصرّ السلطة على تحويل ملف شاحنة ضهر البيدر إلى صاعق سياسي يهدف إلى تفجير الوضع الداخلي. ويندفع الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام نحو مسار مواجهة مباشرة مع المقاومة، من خلال تحويل الملف من إطاره القضائي إلى منصة لتوسيع الاشتباك. الأخطر أن هذا الاندفاع يأتي بعد تفاهم سياسي أتاح تأجيل إحالة القضية إلى المجلس العدلي، في محاولة لقطع الطريق على انفجار داخلي، ما يعزّز الانطباع بأن في السلطة من يريد الإطاحة بأجواء التهدئة وإعادة فتح مواجهة لا تخدم في نتائجها سوى إسرائيل، التي تسعى أصلاً إلى استكمال عدوانها العسكري بحصار سياسي وقضائي للمقاومة داخل لبنان.
في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع الادّعاء الأخير باعتباره مجرّد استكمال طبيعي للتحقيقات، خصوصاً أن التوصيفات القانونية التي اعتُمدت تتجاوز مسألة نقل شِحنة متفجّرات إلى اتهامات تتصل بالانتماء إلى فصائل مسلّحة خارج موافقة الدولة، والعمل على النيل من سلطتها وتعريض لبنان لخطر الاعتداءات. وهي اتهامات تستغلّها جهات داخلية لتوظيف القضية في اتجاه سياسي أوسع، يتصل مباشرة بمحاولة وضع المقاومة في خانة التشكيلات الخارجة عن الشرعية.
ويأتي هذا الادّعاء في ظل مُعطيات مُتداولة عن رسائل تهديد وضغوط طاولت قضاة ومسؤولين، تضمّنت التلويح بالعقوبات في حال عدم سلوك المسار القضائي المطلوب، إلى جانب المُطالبة بوضع الاتهامات في إطار الإرهاب. وإذا صحّت هذه المعلومات، فإنها تكشف حجم التدخلات التي أحاطت بالملف، وتطرح علامات استفهام جدّية حول استقلالية القرار القضائي، وحول ما إذا كانت التوصيفات المُعتمدة قد جاءت نتيجة قراءة قانونية مستقلّة للأدلة أم تحت وطأة ضغوط خارجية تريد دفع القضية إلى أبعد من حدودها القضائية.
هنا تحديداً تظهر مسؤولية السلطة السياسية. فبدلاً من حماية التفاهم الذي جرى التوصل إليه لتأجيل إحالة الملف إلى المجلس العدلي، يجري التعامل مع الادّعاء باعتباره خطوة يمكن البناء عليها لتوسيع المواجهة. وهذا يعني عملياً أن التهدئة التي جرى التوصل إليها لم تكن مدخلاً لمعالجة القضية، بل مجرد استراحة مؤقتة قبل استئناف المسار نفسه بأدوات أكثر حساسية وخطورة. لكنّ مصادر سياسية، قالت لـ «الأخبار» إن الاتهامات الموجّهة “لم تدخل ضمن إطار الإرهاب، وقد يكون ذلك جزءاً من التفاهم، فهو ادّعى بمواد ليست فيها قرينة الإرهاب، لكنها تتناسب مع قرارات مجلس الوزراء”. وأضافت المصادر أن “الموقف لدى حزب الله لن يحمل أي تصعيد، وهنا قرار بإعطاء الاتصالات السياسية فرصة”. لذا لم يخرج أي بيان رسمي، وجرى الاكتفاء بكلام للنائب حسين الحاج حسن اقتصر على اعتبار القرار أنه “يفتقر إلى أبسط قواعد الميثاق الوطني وشرعة حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة والعديد من القوانين اللبنانية”.
وقالت “الأخبار”: لكنّ الحقيقة، أن مسار السلطة يتقاطع مع المحاولات الإسرائيلية الرامية إلى عزل المقاومة، وتصويرها كقوة خارجة عن الدولة وتشكّل تهديداً لأمنها. و”إسرائيل” التي لم تتوقف عن استهداف لبنان، تجد في أي تصعيد داخلي من هذا النوع فرصة لنقل جزء من معركتها إلى المؤسسات السياسية والقضائية، وتوظيف الانقسامات اللبنانية لتبرير استمرار استهداف المقاومة. وعندما تتبنى السلطة مُقاربة تقترب نتائجها من الرواية الإسرائيلية، فإنها لا تحاصر المقاومة سياسياً فحسب، بل تُضعِف أيضاً قدرة لبنان على مواجهة العدوان بموقف داخلي متماسك.
واضافت “الأخطر في هذا المسار ما يمكن أن تكون عليه الخطوة التالية، وإذا قررت السلطة الانتقال إلى توسيع الإجراءات والمُلاحقات، وإصدار مذكّرات توقيف غيابية أو وجاهية، وصولاً إلى وضع الملف أمام المجلس العدلي، عندها لن تبقى المسألة محصورة في محاضر التحقيق وأسماء المُدّعى عليهم، بل ستدخل البلاد في اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية، عنوانه كيفية تعامل حزب الله مع محاولة توسيع المُلاحقات إلى مسار يراه استهدافاً سياسياً له ولموقعه. فهل سيكتفي الحزب بمراقبة التطورات، أم سيرفع سقف موقفه السياسي ويعتبر أن السلطة تجاوزت الخطوط التي سمح التفاهم السابق باحتوائها؟ لا يمكن استباق موقف الحزب أو افتراض طبيعة الردّ الذي سيختاره، لكنّ المؤكد أن المضي في إجراءات من هذا النوع من دون تفاهم سياسي واضح سيضع العلاقة بين الدولة والمقاومة أمام مواجهة مفتوحة على احتمالات يصعب ضبطها. وفي بلد يعيش تحت ضغط العدوان الإسرائيلي، فإن تحويل الخلاف إلى اشتباك داخلي لن يكون مجرد أزمة حكومية أو قضائية، بل مغامرة قد تطاول الاستقرار الوطني برمّته، وتمنح إسرائيل فرصة استثمار الانقسام اللبناني في معركتها مع المقاومة”.